سيرة عمر بن عبد العزيز

كَرَاهِيَة عمر الْبناء فِي دَاره

وَقَالَ ابْن عَيَّاش كَانَت لعمر مرقاتان يرقى من صحن دَاره إِلَى قَعْر بَيته عَلَيْهِمَا فانقلعت إِحْدَى المرقاتين فَأَتَاهَا رجل من أهل بَيته فأصلحها كَرَاهِيَة أَن يشق على عمر فَلَمَّا جَاءَ عمر وَنظر إِلَيْهَا قَالَ من صنع هَذَا قَالُوا فلَان قَالَ عَليّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ وَيحك يَا فلَان أنفست على عمر أَن يخرج من الدُّنْيَا وَلم يضع لبنة على لبنة وَالله لَوْلَا أَن يكون فَسَاد بعد إصْلَاح لغيرتها إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ
ضن عمر بِالْمَالِ إِلَّا على الْفُقَرَاء والمحتاجين

وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لعنبسة بن سعيد وَسَأَلَهُ حَاجَة يَا عَنْبَسَة إِن كَانَ مَالك الَّذِي أصبح عنْدك حَلَالا فَهُوَ كافيك وَإِن كَانَ حَرَامًا فَلَا تزيدن إِلَيْهِ حَرَامًا أَلا تُخبرنِي أمحتاج أَنْت قَالَ لَا قَالَ أفعليك دين قَالَ لَا قَالَ أفتأمرني أَن أعمد الى مَال الله فأعطيكه من غير حَاجَة بك إِلَيْهِ وأدع فُقَرَاء الْمُسلمين لَو كنت غارما أدّيت غرمك أَو مُحْتَاجا أمرت لَك بِمَا يصلحك فَعَلَيْك بِمَالك الَّذِي عنْدك فكله وَاتَّقِ الله وَانْظُر أَولا من أَيْن جمعته وَانْظُر

(1/135)


لنَفسك قبل أَن ينظر إِلَيْك من لَيْسَ لَك عِنْده هوادة وَلَا مُرَاجعَة
دُخُول الْبَرِيد على عمر وحكاية الشمعة والسراج

قَالَ ووفد على عمر بن عبد الْعَزِيز بريد من بعض الْآفَاق فَانْتهى إِلَى بَاب عمر لَيْلًا فقرع الْبَاب فَخرج إِلَيْهِ البواب فَقَالَ أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن بِالْبَابِ رَسُولا من فلَان عَامله فَدخل فَأعْلم عمر وَقد كَانَ أَرَادَ ينَام فَقعدَ وَقَالَ ائْذَنْ لَهُ فَدخل الرَّسُول فَدَعَا عمر بشمعة غَلِيظَة فأججت نَارا وأجلس الرَّسُول وَجلسَ عمر فَسَأَلَهُ عَن حَال أهل الْبَلَد وَمن بهَا من الْمُسلمين وَأهل الْعَهْد وَكَيف سيرة الْعَامِل وَكَيف الأسعار وَكَيف أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأَبْنَاء السَّبِيل والفقراء وَهل أعْطى كل ذِي حق حَقه وَهل لَهُ شَاك وَهل ظلم أحدا فَأَنْبَأَهُ بِجَمِيعِ مَا علم الرَّسُول من أَمر تِلْكَ المملكة فَلم يدع شَيْئا إِلَّا أنبأه بِهِ كل ذَلِك يسْأَله فيحفي السُّؤَال حَتَّى إِذا فرغ عمر من مَسْأَلته قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ حالك فِي نَفسك وبدنك وَكَيف عِيَالك وَجَمِيع أهل خزانتك وَمن تعنى بِشَأْنِهِ قَالَ فَنفخ عمر الشمعة فأطفأها بنفخة وَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بسراج فَدَعَا بفتيلة لَا تكَاد تضيء فَقَالَ سل عَمَّا أَحْبَبْت فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ عَن حَاله وَحَال وَلَده وَعِيَاله وَأهل بَيته فَعجب الْبَرِيد للشمعة وإطفائه إِيَّاهَا وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَأَيْتُك فعلت أمرا مَا رَأَيْتُك فعلت مثله قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إطفاؤك الشمعة عِنْد مَسْأَلَتي إياك عَن حالك وشأنك فَقَالَ يَا عبد الله إِن الشمعة الَّتِي رَأَيْتنِي أطفأتها من مَال الله وَمَال الْمُسلمين وَكنت أَسأَلك عَن حوائجهم وَأمرهمْ فَكَانَت تِلْكَ الشمعة

(1/137)


تقد بَين يَدي فِيمَا يصلحهم وَهِي لَهُم فَلَمَّا صرت لشأني وَأمر عيالي وَنَفْسِي أطفأت نَار الْمُسلمين
رَأْي عمر فِي الْهَدِيَّة الى الْعمَّال

وَقَالَ عَمْرو بن المُهَاجر إِن رجلا أَتَى عمر بن عبد الْعَزِيز بتفاحات فَأبى أَن يقبل فَقيل لَهُ قد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل الْهَدِيَّة فَقَالَ عمر هُوَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدِيَّة وَهُوَ لنا رشوة وَلَا حَاجَة لي بِهِ
جَوَاب عمر لابنته وَقد سَأَلته قرطا

وَقَالَ وَبعثت إِلَيْهِ ابْنَته بلؤلؤة وَقَالَت لَهُ إِن رَأَيْت أَن تبْعَث إِلَيّ بأخت لَهَا حَتَّى أجعلها فِي أُذُنِي فَأرْسل إِلَيْهَا بجَمْرَتَيْن ثمَّ قَالَ لَهَا إِن اسْتَطَعْت أَن تجعلي هَاتين الْجَمْرَتَيْن فِي أذنيك إِلَيْك بأخت لَهَا
نَفَقَة عمر اليومية

وَقَالَ مُسلم بن زِيَاد كَانَ عمر ينْفق على أَهله وَعِيَاله فِي غدائه وعشائه كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ
تخوله مسلمة بِالْمَوْعِظَةِ

وَقَالَ مسلمة دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز بعد الْفجْر فِي بَيت كَانَ يَخْلُو فِيهِ فَلَا يدْخل عَلَيْهِ أحد فَجَاءَت جَارِيَة بطبق تمر صيحاني وَكَانَ يُعجبهُ التَّمْر فَرفع بكفيه فَقَالَ يَا مسلمة أَتَرَى رجلا لَو أكل هَذَا ثمَّ شرب عَلَيْهِ من المَاء فَإِن المَاء على التَّمْر يطيب أَكَانَ يجْزِيه إِلَى اللَّيْل فَقلت لَا أَدْرِي فَرفع أَكثر مِنْهُ فَقَالَ فَهَذَا فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ كَافِيَة دون هَذَا حَتَّى مَا يُبَالِي أَن لَا يَذُوق طَعَاما غَيره قَالَ فعلام تدخل النَّار قَالَ مسلمة فَمَا وَقعت مني موعظة مَا وَقعت مني هَذِه

(1/138)


حَدِيث أبي أسلم فِي لِبَاس عمر وَطَعَامه

قَالَ أَبُو أسلم حَدثنِي خصي أسود كَانَ لعمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز فِي يَوْم شات فِي دَاره بدير سمْعَان قَالَ فَأَلْفَيْته قَاعِدا فِي زَاوِيَة الدَّار فِي الشَّمْس وَقد التفع بِإِزَارِهِ وَوضع أَبُو أسلم ثَوْبه على رَأسه وَجمعه بكفيه من نَاحيَة خديه وَوضع مرفقيه على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ هَكَذَا أرانيه الْخصي حِين وصف فعل عمر فَلَمَّا دَنَوْت سلمت فَرد عَليّ السَّلَام ثمَّ قَالَ لي انْزِلْ فَقَعَدت ثمَّ قَالَ لي انْزِلْ فألهمت أَنما يُرِيد النَّعْلَيْنِ فخلعتهما فَأقبل عَليّ بالْكلَام فَلَمَّا أنست كرهت أَن أَقُول لَهُ يَا سَيِّدي لِئَلَّا يجد عَليّ قَالَ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا الَّذِي يقعدك هَكَذَا قَالَ غسلت ثِيَابِي قَالَ فَقلت وَمَا ثِيَابك ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ قَمِيص ورداء وَإِزَار قَالَ فَمَا كَانَ بأوشك أَن جَاءَ عَمْرو بن مهَاجر فَقَالَ لَهُ أَيْن كنت قَالَ كنت خَارِجا أدفَع مظْلمَة عَن رجل من أهل الْكتاب وَكَانَ عَمْرو بن مهَاجر صَاحب حرس عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ عَليّ بفلان فَمَا كَانَ بأوشك أَن جَاءَ غُلَام حدث فَقَالَ يَا فلَان ائته بغدائه السَّاعَة فَمَا كَانَ بأوشك أَن أَتَاهُ الْغُلَام بصحفة غَلِيظَة عميقة فِيهَا خبز قد كسر وصب عَلَيْهِ مَاء وملح وزيت فَقَالَ تغده قَالَ فَلَمَّا أخذت بالبطش بالغداء نَهَضَ فَنَظَرت بريق سَاقيه من تَحت الْإِزَار وَهُوَ مُدبر فَكَانَ أَرْبَعَة رَهْط أَنا وَعَمْرو بن مهَاجر ورجلان من الْأَنْصَار من أهل الْمَدِينَة فَلَمَّا صلى وَانْصَرف صعدت أَنا والأنصاريان حَتَّى كُنَّا فِي غرفَة فَمَا كَانَ بأوشك أَن عَادَتْ علينا تِلْكَ الْقَصعَة الَّتِي تغدى فِيهَا فَإِذا فِيهَا ثريد عدس وبصل عَلَيْهَا مشقق أخرجت لمن يَخْدمه أَو إِلَى من بِبَابِهِ فَقَالَ الْخَادِم لَو كَانَ لعمر عشَاء غَيره لعشاكم مِنْهُ وَمَا فطره إِلَّا على مثل هَذَا

(1/139)


كتاب عمر إِلَى عماله فِي عزل الْمُشْركين

وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله أما بعد فَإِن الْمُشْركين نجس حِين جعلهم الله جند الشَّيْطَان وجعلهم {بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا} فَأُولَئِك لعمري مِمَّن تجب عَلَيْهِم باجتهادهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إِن الْمُسلمين كَانُوا فِيمَا مضى إِذا قدمُوا بَلْدَة فِيهَا أهل الشّرك يستعينون بهم لَعَلَّهُم بالجباية وَالْكِتَابَة وَالتَّدْبِير فَكَانَت لَهُم فِي ذَلِك مُدَّة فقد قَضَاهَا الله بأمير الْمُؤمنِينَ فَلَا أعلم كَاتبا وَلَا عَاملا فِي شَيْء من عَمَلك على غير دين الْإِسْلَام إِلَّا عزلته واستبدلت مَكَانَهُ رجلا مُسلما فَإِن محق أَعْمَالهم محق أديانهم فَإِن أولى بهم إنزالهم مَنْزِلَتهمْ الَّتِي أنزلهم الله بهَا من الذل وَالصغَار فافعل ذَلِك واكتب إليم كَيفَ فعلت وَانْظُر فَلَا يركبن نَصْرَانِيّ على سرج وليركبوا بالأكف وَلَا تركبن امْرَأَة من نِسَائِهِم رَاحِلَة وَليكن مركبها على إكاف وَلَا يفحجوا على الدَّوَابّ وليدخلوا أَرجُلهم من جَانب وَاحِد وَتقدم فِي ذَلِك إِلَى عمالك حَيْثُ كَانُوا واكتب إِلَيْهِم كتابا فِي ذَلِك بِالتَّشْدِيدِ واكفنيه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
كِتَابه فِي أَن يكون لِلنَّصَارَى هَيْئَة تميزهم وَأَن يجمع السِّلَاح مِنْهُم

وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز الى الْآفَاق أَن لَا يَمْشين نَصْرَانِيّ إِلَّا مفروق الناصية وَلَا يلبس قبَاء وَلَا يمشي إِلَّا بزنار من جُلُود وَلَا يلبس طيلسانا وَلَا سَرَاوِيل ذَات خدمَة وَلَا نعلا لَهَا عذبة وَلَا يوجدن فِي بَيته سلَاح إِلَّا انتهب

(1/140)