الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 2 ص -102-        كتاب النفقات:
على الزوجات والأقارب والمماليك من الرقيق والدواب وما يتعلق بذلك.
"الكبيرة الثلاثمائة: منع نفقة الزوجة أو كسوتها من غير مسوغ شرعي".
وذكر هذا ظاهر نظير ما يأتي في الظلم؛ لأن هذا من أقبحه، ويأتي في التي بعد هذه ما له تعلق تام بها.
"الكبيرة الحادية بعد الثلاثمائة: إضاعة عياله كأولاده الصغار".
أخرج أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت". رواه الحاكم وصححه. إلا أنه قال: "من يعول".
وابن حبان في صحيحه:
"إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".
والشيخان وغيرهما:
"كلكم راع ومسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته".
تنبيه: ذكر هذا ظاهر كالذي قبله؛ لأنه أيضا من أقبح الظلم وأفحشه.
فائدة: في ذكر ما ورد من الحث على الإحسان إلى الزوجة والعيال سيما البنات.
أخرج مسلم:
"دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار

 

ج / 2 ص -103-        تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك".
ومسلم والترمذي:
"أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله".
قال أبو قلابة: بدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم الله أو ينفعهم الله له ويغنيهم.
وابن خزيمة في صحيحه، وكذا الترمذي وابن حبان بنحوه:
"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار. فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال. وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله من ماله، وفقير فخور".
والشيخان من جملة حديث طويل لسعد بن أبي وقاص:
"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك".
وأحمد بإسناد جيد:
"ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة -أي إن كان ما لا بد منه بقصد التقوي به على الطاعة كما هو معلوم من القواعد الشرعية- وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة".
والطبراني بإسناد حسن:
"من أنفق على نفسه نفقة يستعف بها فهي صدقة. من أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة"، وهذا مفسر لما قبله.
والطبراني بإسناد حسن والشيخان بنحوه:
"اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك".
وابن حبان في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه:
"تصدقوا" فقال رجل يا رسول الله عندي دينار قال: "أنفقه على نفسك"، قال إن عندي آخر قال: "أنفقه على زوجتك"، قال إن عندي آخر قال: "أنفقه على ولدك"، قال إن عندي آخر قال: "أنفقه على خادمك"، قال إن عندي آخر قال: "أنت أبصر به".

 

ج / 2 ص -104-        والطبراني بسند رجاله رجال الصحيح: أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان".
والدارقطني والحاكم وصحح إسناده:
"كل معروف صدقة، وما أنفق الرجل على أهله كتب له صدقة، وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله والله ضامن إلا ما كان في بنيان أو معصية"، وفسرت وقاية العرض بما يعطى للشاعر وذي اللسان المتقى.
والبزار بسند رواته محتج بهم في الصحيح إلا واحدا منهم في كلام مريب. قال الحافظ المنذري بعد ذكره ذلك الحديث غريب:
"إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤنة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء".
والطبراني في الأوسط:
"أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله".
والطبراني بسند صحيح:
"كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم".
والشيخان: "أن امرأة دخلت تسأل عائشة ومعها بنتاها فلم تجد إلا تمرة فأعطتها إياها فقسمتها بين بنتيها ولم تأكل منها، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا أو حجابا من النار".
ومسلم: إن مسكينة جاءتها ببنتيها فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبها شأنها فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار".
ومسلم:
"من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه".
والترمذي ولفظه:
"من عال جاريتين دخلت أنا وهو الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه".
وابن حبان في صحيحه ولفظه:
"من عال ابنتين أو ثلاثا أو أختين أو ثلاثا حتى

 

ج / 2 ص -105-        يبنين أو يموت عنهن كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها". وفي أخرى صححها جماعة: "ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة". وفي أخرى شواهدها كثيرة: "ما من مسلم له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبنين أو يمتن إلا كن له حجابا من النار"، فقالت له امرأة أو بنتان؟ فقال: "وبنتان". وفي أخرى للترمذي: "فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة". وفي أخرى لأبي داود: "فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة".
وأبو داود والحاكم وصححه:
"من كانت له أنثى فلم يئدها -أي يدفنها حية على عادة الجاهلية- ولم يهنها ولم يؤثر ولده يعني الذكر عليها أدخله الله الجنة".
وأحمد والطبراني:
"من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذواتي قرابة يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما من فضل الله أو يكفيهما كانتا له سترا من النار"، وأحمد بإسناد جيد عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كن له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة ألبتة" قيل يا رسول الله وإن كانتا اثنتين؟ قال: "وإن كانتا اثنتين". قال فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة. ورواه البزار والطبراني: وزاد "ويزوجهن".
والحاكم وصححه:
"من كان له ثلاث بنات يصبر على لأوائهن وضرائهن وسرائهن أدخله الله الجنة برحمته إياهن". فقال رجل: وابنتان يا رسول الله؟ قال: "وابنتان"، قال رجل يا رسول الله وواحدة؟ قال: "وواحدة".
"الكبيرة الثانية بعد الثلاثمائة: عقوق الوالدين أو أحدهما وإن علا ولو مع وجود أقرب منه".
قال تعالى:
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: 36] قال ابن عباس: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بلى يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا

 

ج / 2 ص -106-        تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23، 24] أمر الله تعالى بالإحسان إليهما، وهو البر والشفقة والعطف والتودد وإيثار رضاهما. ونهى عن أن يقال لهما أف، إذ هو كناية عن الإيذاء بأي نوع كان حتى بأقل أنواعه، ومن ثم ورد أنه صلى الله عليه وسلم: قال: "لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار"، ثم أمر بأن يقال لهما القول الكريم: أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن سيما عند الكبر، فإن الكبير يصير كحال الطفل وأرذل؛ لما يغلب عليه من الخرف وفساد التصور، فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا، فإذا طلبت رعايته وغاية التلطف به في هذه الحالة وأن يتقرب إليه بما يناسب عقله إلى أن يرضى ففي غير هذه الحالة أولى، ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول بأن لا يكلمهما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما، وأنه من أجل ذلك ذليل حقير، ولا يزال على نحو ذلك إلى أن يثلج خاطرهما، ويبرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء؛ ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما؛ لأن ما سبق يقتضي دعاءهما له كما تقرر فليكافئهما إن فرضت مساواة، وإلا فشتان ما بين المرتبتين، وكيف تتوهم المساواة، وقد كانا يحملان أذاك وكلك وعظيم المشقة في تربيتك، وغاية الإحسان إليك، راجين حياتك، مؤملين سعادتك، وأنت إن حملت شيئا من أذاهما رجوت موتهما، وسئمت من مصاحبتهما؛ ولكون الأم أحمل لذلك وأصبر عليه مع أن عناءها أكثر وشفقتها أعظم بما قاسته من حمل وطلق وولادة ورضاع وسهر ليل، وتلطخ بالقذر والنجس، وتجنب للنظافة والترفه حض صلى الله عليه وسلم على برها ثلاث مرات، وعلى بر الأب مرة واحدة كما في الحديث الصحيح: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك ثم الأقرب فالأقرب".
وقد رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلا يطوف بالكعبة حاملا أمه على رقبته.

 

ج / 2 ص -107-        فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: لا ولا بطلقة واحدة ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرا.
وجاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"الوالدة أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه". وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] فانظر وفقني الله وإياك كيف قرن شكرهما بشكره.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لم تقبل منها واحدة بغير قرينتها. إحداها: قوله تعالى:
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فمن أطاع الله ولم يطع رسوله لم يقبل منه. والثانية قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه. الثالثة قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين".
وصح: أن رجلا جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فقال:
"أحي والداك"؟ قال نعم، قال: "ففيهما فجاهد". فانظر كيف فضل بر الوالدين وخدمتهما على الجهاد معه، وسيأتي في حديث الصحيحين: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". فانظر كيف قرن الإساءة إليهما وعدم البر والإحسان إليهما بالإشراك بالله تعالى، وأكد ذلك بأمره بمصاحبتهما بالمعروف وإن كانا يجاهدان الولد على أن يشرك بالله تعالى. قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان: 15] فإذا أمر الله تعالى بمصاحبة هذين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به وهو الإشراك بالله تعالى فما الظن بالوالدين المسلمين سيما إن كانا صالحين، تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفق من هدي إليها والمحروم كل المحروم من صرف عنها.
وقد جاء في السنة من التأكيد في ذلك ما لا تحصى كثرته ولا تحد غايته؛ فمن ذلك أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا"؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق

 

ج / 2 ص -108-        الوالدين"، وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
والبخاري:
"الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
والشيخان عن أنس قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال:
"الشرك بالله، وعقوق الوالدين".
وابن حبان في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم ذكر في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن وبعث به عمرو بن حزم:
"وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" الحديث.
والشيخان:
"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه". وفي رواية لهما: "من الكبائر شتم الرجل والديه"، قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه".
والبخاري وغيره:
"إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
والنسائي والبزار واللفظ له بإسنادين جيدين والحاكم وصححه:
"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءه. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والرجلة من النساء"، والرجلة بفتح فكسر المترجلة، أي المتشبهة بالرجال.
وأحمد واللفظ له والنسائي والبزار والحاكم وصححه:
"ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر الخبث في أهله"، أي الزنا مع علمه به.
والطبراني في الصغير:
"يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحه منان بعمله ولا عاق ولا مدمن خمر" وابن أبي عاصم بإسناد حسن: "ثلاثة لا

 

ج / 2 ص -109-        يقبل الله عز وجل منهم صرفا ولا عدلا عاق ومنان ومكذب بقدر". والحاكم وصححه: "أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه".
والطبراني في الكبير:
"ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف".
وأحمد والطبراني بإسنادين أحدهما صحيح، وابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما باختصار: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة هكذا، ونصب أصبعيه ما لم يعق والديه".
وأحمد وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، قال:
"لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك" الحديث. ومر أوائل كتاب الصلاة.
والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مجتمعون، فقال يا معشر المسلمين:
"اتقوا الله وصلوا أرحامكم فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم، وإياكم والبغي فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغي، وإياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام وإنه لا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين، والكذب كله إثم إلا ما نفعت به مؤمنا ودفعت به عن دين، وإن في الجنة لسوقا ما يباع فيها ولا يشترى ليس فيها إلا الصور فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها".
والحاكم وصححه واعترض بأن فيه متروكا:
"أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه".
وأحمد:
"لا يلج حظيرة القدس مدمن خمر ولا العاق ولا المنان عطاءه".

 

ج / 2 ص -110-        ورواه البزار إلا أنه قال: "لا يلج جنان الفردوس". والطبراني بسند رواته ثقات: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان".
قال ابن عباس: فشق ذلك علي؛ لأن المؤمنين يصيبون ذنوبا حتى وجدت ذلك في كتاب الله عز وجل في العاق:
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} الآية [محمد صلى الله عليه وسلم: 22]. وفي المنان: {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] الآية. وفي الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] الآية. وسيأتي في مبحث الخمر.
والطبراني والحاكم وصححه:
"لعن الله سبعة من فوق سبع سمواته وردد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كل واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط. ملعون من عمل عمل قوم لوط ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من عق والديه".
وابن حبان في صحيحه:
"لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من سب الدية" الحديث.
والحاكم وصححه الأصبهاني:
"كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات".
والبيهقي في الدلائل، والطبراني في الأوسط والصغير بسند فيه من لا يعرف عن جابر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"فاذهب فأتني بأبيك"، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه، فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال ابنك يشكوك تريد أن تأخذ ماله؟" قال سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إيه، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك"، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي، فقال قل وأنا أسمع، فقال قلت:

غذوتك مولودا ومنتك يافعا                      تغل بما أجني عليك وتنهل

 

ج / 2 ص -111-                           إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت            لسقمك إلا ساهرا أتململ كأني

أنا المطروق دونك بالذي                         طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها               لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فلما بلغت السن والغاية التي                 إليها مدى ما كنت فيها أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة                   كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حق أبوتي                    فعلت كما الجار المجاور يفعل

تراه معدا للخلاف كأنه                           يرد على أهل الصواب موكل

قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: "أنت ومالك لأبيك". وهو في سورة الإسراء من الكشاف بلفظ: شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني، وهو يبخل علي بماله، فبكى عليه الصلاة والسلام وقال: "ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى"، ثم قال للولد: "أنت ومالك لأبيك". قال مخرج أحاديثه لم أجده.
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعدي على والده فقال: إنه أخذ مني مالي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أما علمت أنك ومالك من كسب أبيك".
وابن ماجه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يجتاح مالي، قال:
"أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالكم".
والطبراني واللفظ له وأحمد مختصرا عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه آت فقال: شاب يجود بنفسه قيل له قل لا إله إلا الله فلم يستطع، فقال أكان يصلي؟ فقال: نعم، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضنا معه فدخل على الشاب فقال له:
"قل لا إله إلا الله"، فقال لا أستطيع، قال: لم؟ قيل كان يعق والدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحية والدته"؟ قالوا نعم، قال: "ادعوها" فدعوها فجاءت، فقال: "هذا ابنك"؟ فقالت: نعم، فقال لها: "أرأيت لو أججت نارا ضخمة فقيل لك إن شفعت له خلينا عنه وإلا أحرقناه بهذه النار أكنت تشفعين له"؟ قالت يا رسول الله إذن أشفع،

ج / 2 ص -112-        قال: "فأشهدي الله وأشهديني أنك قد رضيت عنه"، قالت اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" فقالها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
ورويت هذه القصة بأبسط من هذا، وهي: "أن ذلك الشاب اسمه علقمة وأنه كان كثير الاجتهاد في الطاعة من الصلاة والصوم والصدقة، فمرض واشتد مرضه فأرسلت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زوجي علقمة في النزع فأردت أن أعلمك يا رسول الله بحاله، فأرسل صلى الله عليه وسلم عمارا وبلالا وصهيبا وقال: "
امضوا إليه ولقنوه الشهادة"، فجاءوا إليه فوجدوه في النزع فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله ولسانه لا ينطق بها، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "هل من أبويه أحد حي"؟ قيل: يا رسول الله له أم كبيرة السن، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: إن قدرت على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فانتظريه في المنزل حتى يأتيك، فجاء إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرها بذلك فقالت نفسي لنفسه الفداء أنا أحق بإتيانه فتوكأت وقامت على عصا وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلمت ورد عليها السلام وقال لها: "يا أم علقمة اصدقيني وإن كذبتني جاء الوحي من الله تعالى، كيف كان حال ولدك علقمة"؟ قالت يا رسول الله كان كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما حالك"؟ قالت يا رسول الله أنا عليه ساخطة. قال: "ولم"؟ قالت يا رسول الله كان يؤثر زوجته ويعصيني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "يا بلال انطلق واجمع لي حطبا كثيرا"، قالت وما تصنع به يا رسول الله؟ قال: "أحرقه بالنار"، قالت يا رسول الله ولدي لا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي، قال: "يا أم علقمة فعذاب الله أشد وأبقى، فإن سرك أن يغفر الله له فارضي عنه فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته ما دمت عليه ساخطة"، فقالت يا رسول الله فإني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين أني قد رضيت عن ولدي علقمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق إليه يا بلال فانظر هل يستطيع أن يقول لا إله إلا الله أم لا؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياء مني"، فانطلق بلال فسمع علقمة يقول من داخل الدار لا إله إلا الله فدخل بلال فقال يا هؤلاء إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة وإن رضاها أطلق

 

ج / 2 ص -113-        لسانه ثم مات علقمة من يومه، فحضره النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بغسله وتكفينه ثم صلى عليه وحضر دفنه، ثم قام على شفير قبره وقال: "يا معشر المهاجرين والأنصار من فضل زوجته على أمه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا إلا أن يتوب إلى الله عز وجل ويحسن إليها ويطلب رضاها فرضا الله عز وجل في رضاها وسخط الله جل جلاله في سخطها".
وروى الأصبهاني وغيره وقد حدث به أبو العباس الأصم بمشهد من الحفاظ فلم ينكروه أن العوام بن حوشب قال: نزلت مرة حيا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج رجل رأسه رأس حمار وجسده جسد إنسان فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعرا أو صوفا فقالت امرأة: تري تلك العجوز؟ قلت: ما لها؟ قالت تلك أم هذا، قلت وما كان قضيته؟ قالت كان يشرب الخمر فإذا راح تقول له أمه: يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذا الخمر؟ فيقول لها: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار؛ قالت فمات بعد العصر، قالت فهو يشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر".
وقال صلى الله عليه وسلم:
"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ليلة أسري بي رأيت أقواما في النار معلقين في جذوع من نار فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال الذين يشتمون آباءهم وأمهاتهم في الدنيا". وروي: "أنه من شتم والديه ينزل عليه في قبره جمر من النار بعد كل قطر ينزل من السماء إلى الأرض". وروي: "أنه إذا دفن عاق والديه عصره القبر حتى تختلف أضلاعه".
وقال كعب الأحبار: إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقا لوالديه ليعجل له العذاب وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان بارا بوالديه ليزيده برا وخيرا. وسئل عن عقوق الوالدين ما هو؟ قال: إذا أقسم عليه أبوه أو أمه لم يبر قسمه، وإذا أمره بأمر لم يطعه، وإذا ائتمنه خانه، وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم يا موسى وقر والديك فإنه من وقر والديه مددت في عمره ووهبت له ولدا يبره، ومن عق والديه قصرت عمره ووهبت له ولدا يعقه. وقال أبو

 

ج / 2 ص -114-        بكر بن أبي مريم: قرأت في التوراة أن من يضرب أباه يقتل. وقال وهب: في التوراة على من صك والديه الرجم. وقال بشر: أيما رجل يقرب من أمه بحيث يسمع كلامها أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله، والنظر إليها أفضل من كل شيء.
وجاء رجل وامرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختصمان في صبي لهما، فقال الرجل: ولدي خرج من صلبي، وقالت المرأة يا رسول الله حمله خفا ووضعه شهوة وحملته كرها ووضعته كرها وأرضعته حولين فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم للأم؛ وما أحسن قول بعضهم إغراء على البر وتحذيرا عن العقوق ووباله وإعلاما بما يدحض العاق إلى حضيض سفاله ويحطه عن كماله: أيها المضيع لأوكد الحقوق المعتاض عن البر بالعقوق الناسي لما يجب عليه الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دين وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك وهي تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حجج وكابدت عند وضعك ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثديها لبنا وأطارت لأجلك وسنا، وغسلت بيمينها عنك الأذى وآثرتك على نفسها بالغذاء، وصيرت حجرها لك مهدا وأنالتك إحسانا ورفدا، فإن أصابك مرض أو شكاية أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب وبذلت مالها للطبيب، ولو خيرت بين حياتك وموتها لآثرت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارا فدعت لك بالتوفيق سرا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعت وهي جائعة ورويت وهي ضائعة، وقدمت عليها أهلك وأولادك في الإحسان وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب لديك أمرها وهو يسير وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها وما لها سواك نصير. هذا، ومولاك قد نهاك عن التأفيف وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين وفي أخراك بالبعد من رب العالمين يناديك بلسان التوبيخ والتهديد:
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182].

لأمك حق لو علمت كبير                              كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي                      لها من جواها أنة وزفير

وفي الوضع لو تدري عليها مشقة                 فمن غصص منها الفؤاد يطير

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها                    وما حجرها إلا لديك سرير

 

ج / 2 ص -115-                              وتفديك مما تشتكيه بنفسها           ومن ثديها شرب لديك نمير

وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها                     حنوا وإشفاقا وأنت صغير

فآها لذي عقل ويتبع الهوى                       وآها لأعمى القلب وهو بصير

فدونك فارغب في عميم دعائها                  فأنت لما تدعو إليه فقير

تنبيه: عد العقوق من الكبائر هو ما اتفقوا عليه، وظاهر كلام أئمتنا بل صريحه أنه لا فرق بين الكافرين والمسلمين لا يقال يشكل عليه الحديث الحسن الآتي في مبحث الفرار من الزحف إذ فيه: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال: "تسع أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين المسلمين" الحديث. لأنا نقول التقييد بالمسلمين إما بأن عقوقهما أقبح والكلام هنا في ذكر الأعظم على أحد التقديرين في عطف وقتل المؤمن وما بعده، وإما؛ لأنهما ذكرا للغالب كما في نظائر أخر.
وللحليمي هنا تفصيل مبني على رأي له ضعيف مر أول الكتاب، وهو أن العقوق كبيرة فإن كان معه نحو سب ففاحشة، وإن كان عقوقه هو استثقاله لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فصغيرة، وإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا فيتركا أمره ونهيه ويلحقهما من ذلك ضرر فكبيرة، انتهى وفيه نظر.
والوجه الذي دل عليه كلامهم أن ذلك كبيرة كما يعلم من ضابط العقوق الذي هو كبيرة، وهو أن يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين أي عرفا، ويحتمل أن العبرة بالمتأذي، ولكن لو كان في غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يعد مخالفته فيه في العرف عقوقا لا يفسق ولده بمخالفته حينئذ لعذره، وعليه فلو كان متزوجا بمن يحبها فأمره بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل أمره لا إثم عليه كما سيأتي التصريح به عن أبي ذر رضي الله عنه، لكنه أشار إلى أن الأفضل طلاقها امتثالا لأمر والده، وعليه يحمل الحديث الذي بعده: أن عمر أمر ابنه بطلاق زوجته فأبى فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بطلاقها، وكذا سائر أوامره التي لا حامل عليها إلا ضعف عقله وسفاهة رأيه، ولو عرضت على أرباب العقول لعدوها أمورا متساهلا فيها، ولرأوا أنه لا إيذاء لمخالفتها، هذا هو الذي يتجه إليه في تقرير ذلك الحد.

ج / 2 ص -116-        ثم رأيت شيخ الإسلام السراج البلقيني أطال في هذا المحل من فتاويه بما قد يخالف بعضه ما ذكرته وعبارته: مسألة قد ابتلي الناس بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها ليحصل المقصود في ضمن ذلك وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين. إذ الإحالة على العرف من غير مثال لا يحصل به المقصود، إذ الناس أغراضهم تحملهم على أن يجعلوا ما ليس بعرف عرفا. لا سيما إن كان قصدهم تنقيص شخص أو أذاه، فلا بد من مثال ينسج على منواله، وهو أنه مثلا لو كان له على أبيه حق شرعي فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه فلو حبسه فهل يكون ذلك عقوقا أم لا؟ أجاب: هذا الموضع قال فيه بعض العلماء الأكابر إنه يعسر ضبطه.
وقد فتح الله سبحانه وتعالى بضابط أرجو من فضل الفتاح العليم أن يكون حسنا. فأقول: العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرما من جملة الصغائر، فينتقل بالنسبة إلى أحد الوالدين إلى الكبائر أو يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل فيه الخوف على الولد فوات نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الولد في ذلك أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض لها وقع.
وبيان هذا الضابط أن قولنا أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرما. مثاله لو شتم غير أحد والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتم أو الضرب إلى الكبيرة فإنه يكون المحرم المذكور إذا فعله الولد مع أحد والديه كبيرة، وخرج بقولنا أن يؤذي ما لو أخذ فلسا أو شيئا يسيرا من مال والديه أنه لا يكون كبيرة وإن كان لو أخذه من مال غير والديه بغير طريق معتبر كان حراما؛ لأن أحد الوالدين لا يتأذى بمثل ذلك لما عنده من الشفقة والحنو فإن أخذ مالا كثيرا بحيث يتأذى المأخوذ منه من غير الوالدين بذلك فإنه يكون كبيرة في حق الأجنبي، فكذلك يكون كبيرة هنا، وإنما الضابط فيما يكون حراما صغيرة بالنسبة إلى غير الوالدين، وخرج بقولنا ما لو فعله مع غير والديه كان محرما ما إذا طالب الوالد بدين عليه فإذا طالبه به أو رفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه فإنه لا يكون من العقوق فإنه ليس بحرام في حق الأجنبي، وإنما يكون

 

ج / 2 ص -117-        العقوق بما يؤذي أحد الوالدين بما لو فعله مع غير والديه كان محرما، وهذا ليس بموجود هنا فافهم ذلك فإنه من النفائس.
وأما الحبس فإن فرعنا على جواز حبس الوالد بدين الولد كما صححه جماعة فقد طلب ما هو جائز فلا عقوق وإن فرعنا على منع حبسه كما هو المصحح عند آخرين، فإن الحاكم إذا كان معتقده ذلك لا يجيبه إليه ولا يكون الولد الذي يطلب ذلك عاقا إذا كان معتقده الوجه الأول، فإن اعتقد المنع وأقدم عليه كان كما لو طلب حبس من لا يجوز حبسه من الأجانب لإعسار ونحوه، فإذا حبسه الولد واعتقاده المنع كان عاقا؛ لأنه لو فعله مع غير والديه حيث لا يجوز كان حراما.
وأما مجرد الشكوى الجائزة والطلب الجائز فليس من العقوق في شيء، وقد جاء ولد بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو من والده في اجتياح ماله وحضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من ذلك عقوقا ولا عنف الولد بسبب الشكوى المذكورة.
وأما إذا نهر الولد أحد والديه فإنه إذا فعل ذلك مع غير والديه وكان محرما كان في حق أحد الوالدين كبيرة، وإن لم يكن محرما، وكذا أف فإن ذلك يكون صغيرة في حق أحد الوالدين ولا يلزم من النهي عنهما والحال ما ذكر أن يكونا من الكبائر، وقولنا أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل فيه الخوف على الولد إلخ. أردنا به السفر للجهاد ونحوه من الأسفار الخطرة لما يخاف من فوات نفس الولد أو عضو من أعضائه لشدة تفجع الوالدين على ذلك أو أحد الوالدين.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر في الرجل الذي جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أحي والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد".
وفي رواية لمسلم: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله فقال:
"فهل من والديك أحد حي"؟ قال: نعم بل كلاهما حي قال: "فتبتغي الأجر من الله"؟ قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما" وفي رواية: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، فقال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما".

 

ج / 2 ص -118-        وفي إسناد عطاء بن السائب لكن من رواية سفيان عنه، وروى أبو سعيد الخدري: أن رجلا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد هاجرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك أحد باليمن"؟ قال: أبواي. قال: "أذنا لك"؟ قال: لا، قال: "فارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما". ورواه أبو داود في إسناده دراج أبو السمح المصري عبد الله بن سمعان ضعفه أبو حاتم وغيره ووثقه يحيى.
وقولنا ما لم يتهم الوالد في ذلك أخرجنا به ما لو كان الوالد كافرا فإنه لا يحتاج الولد إلى إذنه في الجهاد ونحوه، وحيث اعتبرنا إذن الوالد فلا فرق بين أن يكون حرا أو عبدا. وقولنا أو أن يخالفه في سفر إلخ أردنا به السفر لحج التطوع حيث كان فيه مشقة وأخرجنا بذلك حج الفرض، وإذا كان فيه ركوب بحر بحيث يجب ركوبه عند غلبة السلامة، فظاهر الفقه يقتضي أنه لا يجب الاستئذان، ولو قيل بوجوبه لما عند الوالد من الخوف في ركوب ولده البحر وإن غلبت السلامة لم يكن بعيدا.
وأما سفره للعلم المتعين أو لفرض الكفاية؛ فلا منع منه، وإن كان يمكنه التعلم في بلده خلافا لمن اشترط ذلك؛ لأنه قد يتوقع في السفر فراغ القلب أو إرشاد أستاذ ونحو ذلك، فإن لم يتوقع شيئا من ذلك احتاج إلى الاستئذان وحيث وجبت النفقة للوالد على الولد وكان في سفره تضييع للواجب، فللوالد المنع كصاحب الدين الحال بالنسبة إلى يوم السفر وبالنسبة إلى غيره فيه تضييع ما تقوم به الكفاية ولا كذلك في الدين.
وأما إذا كان الولد بسفره يحصل وقيعة في العرض لها وقع بأن يكون أمرد ويخاف من سفره تهمة فإنه يمنع من ذلك، وذلك في الأنثى أولى.
وأما مخالفة أمره أو نهيه فيما لا يدخل على الولد فيه ضرر بالكلية، وإنما هو مجرد إرشاد للولد، فإذا فعل ما يخالف ذلك لم يكن عقوقا وعدم مخالفة الوالد أولى. انتهت عبارة فتاوى البلقيني.
وتخصيصه العقوق بفعله المحرم الصغيرة بالنسبة للغير فيه وقفة، بل ينبغي أن المدار على ما قدمته من أنه لو فعل معه ما يتأذى به تأذيا ليس بالهين عرفا كان كبيرة، وإن لم يكن محرما لو فعل مع الغير كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ

 

ج / 2 ص -119-        فلا يقوم له ولا يعبأ به، ونحو ذلك مما يقضي أهل العقل والمروءة من أهل العرف بأنه مؤذ تأذيا عظيما، وسيأتي في قطيعة الرحم ما يؤيد ذلك. وقوله: أو أن يخالف أمره أو نهيه إلخ ظاهر؛ لأنه صريح كلامهم في مواضع جمع ذلك منها، وإنما الذي انفرد به ضبطه الأول بفعل المحرم وقد علمت ما فيه.
"فائدة: في أحاديث أخر في فضل بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما"
أخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال:
"الصلاة لوقتها"، قلت ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
ومسلم وغيره:
"لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه".
ومسلم: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبايعك على الهجرة والجهاد ليبتغي الأجر من الله تعالى، قال:
"فهل من والديك أحد حي"؟ قال: نعم بل كلاهما حي. قال: "فتبتغي الأجر من الله"؟ قال: نعم. قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".
وأبو يعلى والطبراني بسند جيد: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال:
"هل بقي من والديك أحد"؟ قال: أمي. قال: "فاسأل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج معتمر".
ومجاهد والطبراني: يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال:
"أمك حية"؟ قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: "الزم رجلها فثم الجنة".
وابن ماجه: يا رسول الله ما حق الوالدين على ولدهما؟ قال:
"هما جنتك ونارك".
وابن ماجه والنسائي واللفظ له والحاكم وصححه: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال:
"هل لك من أم"؟ قال: نعم، قال: "الزمها فإن الجنة عند رجليها". وفي رواية صحيحة: "ألك والدان"؟ قال: نعم، قال: "الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما".

 

ج / 2 ص -120-        والترمذي وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن رجلا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه".
وقال الترمذي: وربما قال سفيان إن أمي وربما قال إن أبي وابن حبان في صحيحه: أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمرني بطلاقها. قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك، ولا بالذي آمرك أن تطلق زوجتك، غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول:
"الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك إن شئت أو دع"، قال وأحسب عطاء قال فطلقها.
وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"طلقها".
وأحمد بسند صحيح:
"من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه".
وأبو يعلى وغيره وصححه الحاكم:
"من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره".
وابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وصححه:
"إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر" وفي رواية للترمذي وقال حسن غريب: "لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر".
والحاكم وصححه:
"عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك محقا كان أو مبطلا فإن لم يفعل لم يرد على الحوض".
والطبراني بإسناد حسن:
"بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم".
ومسلم:
"رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه" -أي لصق بالرغام وهو التراب

 

ج / 2 ص -121-        من الذل- قيل من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة أو لا يدخلانه الجنة".
والطبراني بأسانيد أحدها حسن: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال:
"آمين آمين آمين"، ثم قال: "أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد من أدرك أحد أبويه ثم لم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت، آمين، فقال يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين، قال ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين". ورواه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فيه: "ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين". ورواه الحاكم وغيره وقال في آخره: "فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين". ورواه الطبراني وفيه: "من أدرك والديه أو أحدهما فلم يبرهما دخل النار فأبعده الله وأسحقه قلت آمين". وأحمد من طرق أحدها حسن: "من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله". زاد في رواية: "وأسحقه".
والشيخان: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:
"أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك".
والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت قدمت علي أمي وهي راغبة أي عن الإسلام أو فيما عندي أفأصل أمي؟ قال:
"نعم، صلي أمك".
وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم:
"رضا الله في رضا الوالد أو قال الوالدين، وسخط الله في سخط الوالد أو قال الوالدين"، ورجح الترمذي وقفه.
وفي رواية للطبراني:
"طاعة الله في طاعة الوالد أو قال الوالدين، ومعصيته في معصية الوالد".
وفي أخرى للبزار:
"رضا الرب تبارك وتعالى في رضا الوالدين، وسخط الرب تبارك وتعالى في سخط الوالدين".

 

ج / 2 ص -122-        والترمذي واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: "هل لك من أم"؟ قال: لا. قال: "فهل لك من خالة"؟ قال: نعم، قال: "فبرها".
وأبو داود وابن ماجه: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال:
"نعم الصلاة عليهما" أي: الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما.
ورواه ابن حبان في صحيحه بزيادة: قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه؟ قال:
"فاعمل به".
ومسلم: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقيه رجل من الأعراب بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار: فقلنا أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير. فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودودا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه".
وابن حبان في صحيحه عن أبي بردة رضي الله عنه قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قلت: لا، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده" وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك.
وفي حديث الصحيحين وغيرهما المشهور بروايات متعددة:
"أن ثلاثة نفر ممن كان قبلنا خرجوا يتماشون ويرتادون لأهليهم فأخذهم المطر حتى أووا إلى غار في الجبل فانحدرت على فمه صخرة فسدته فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا بصالح أعمالكم". وفي رواية: "فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله عز وجل صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها". وفي أخرى: "فقال بعضهم لبعض عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يعلم بمكانكم إلا الله فادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب شجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما

 

ج / 2 ص -123-        نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ففرجت شيئا لا يستطيعون الخروج". وفي رواية: "ولي صبية صغار كنت أرعى فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي وإنه نأى بي طلب شجرة يوما فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم حتى يرون منها السماء"، وذكر الآخر عفته عن الزنا بابنة عمه، والآخر تنميته لمال أجيره فانفرجت عنهم كلها وخرجوا يتماشون.
"الكبيرة الثالثة بعد الثلاثمائة: قطع الرحم"
قال تعالى:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء:1]: أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد صلى الله عليه وسلم: 22 - 23]. وقال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25].
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى، قال فذاك لك" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد صلى الله عليه وسلم: 22، 23].
والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه والحاكم، وقال صحيح

 

ج / 2 ص -124-        الإسناد. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أجدر -أي أحق- أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم".
والشيخان:
"لا يدخل الجنة قاطع". قال سفيان: يعني قاطع رحم.
وأحمد بسند رواته ثقات:
"إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس وليلة جمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم".
والبيهقي: إنه أتاني جبريل عليه السلام فقال: "
هذه ليلة النصف من شعبان ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب لا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا إلى مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل - أي إزاره خيلاء - ولا إلى عاق لوالديه ولا إلى مدمن خمر" الحديث.
وابن حبان وغيره:
"ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر".
وأحمد مختصرا وابن أبي الدنيا والبيهقي:
"يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون خسف الليلة ببني فلان وخسف الليلة بدار فلان خواص، ولترسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا وقطيعتهم الرحم" وخصلة نسيها جعفر.
والطبراني في الأوسط: عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مجتمعون فقال:
"يا معشر المسلمين اتقوا الله وصلوا أرحامكم فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم، وإياكم والبغي فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغي، وإياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء لله رب العالمين".
والأصبهاني: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"لا يجالسنا اليوم قاطع

 

ج / 2 ص -125-        رحم"، فقام فتى من الحلقة فأتى خالة له قد كان بينهما بعض الشيء فاستغفر لها فاستغفرت له ثم عاد إلى المجلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم"، وهذا مؤيد لما روي أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحرج على كل قاطع رحم إلا قام من عندنا"، فقام شاب إلى عمة له قد صارمها منذ سنين فصالحها فسألته عن السبب فذكره لها، فقالت ارجع واسأله لم ذاك؟ فرجع فسأله، فقال لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم".
والطبراني:
"إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم". والطبراني بسند صحيح عن الأعمش قال: "كان ابن مسعود رضي الله عنه جالسا بعد الصبح في حلقة فقال: أنشد الله قاطع رحم لما قام عنه فإنا نريد أن ندعو ربنا وإن أبواب السماء مرتجة - أي بضم ففتح والجيم مخففة - مغلقة دون قاطع رحم".
والشيخان:
"الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله".
وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، واعترض تصحيحه بأنه منقطع، ورواية وصله قال البخاري خطأ عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"قال الله عز وجل: أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته أو قال بتته" أي قطعته.
وأحمد بإسناد صحيح:
"إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن عز وجل فمن قطعها حرم الله عليه الجنة".
وأحمد بإسناد جيد قوي وابن حبان في صحيحه:
"إن الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب إني قطعت، يا رب إني أسيء إلي، يا رب إني ظلمت، يا رب يا رب، فيجيبها: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟" والشجنة بكسر أوله المعجم وضمه وإسكان الجيم: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق، ومعنى من الرحمن: أي مشتق لفظها من لفظ اسمه الرحمن كما يأتي في الحديث على الأثر.
والبزار بإسناد حسن:
"الرحم حجنة متمسكة بالعرش تتكلم بلسان ذلق:

 

ج / 2 ص -126-        اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، فيقول الله تبارك وتعالى: أنا الرحمن الرحيم وإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته"، الحجنة بفتح الحاء المهملة والجيم وتخفيف النون: صنارة المغزل: أي الحديدة العقفاء التي يعلق بها الخيط ثم يفتل الغزل، والبتك: القطع.
والبزار:
"ثلاث متعلقات بالعرش: الرحم تقول اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول اللهم إني بك فلا أكفر". والبزار واللفظ له والبيهقي: "الطابع معلق بقائمة العرش فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصي واجترئ على الله تعالى بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا".
تنبيه: عد هذا هو صريح هذه الأحاديث الكثيرة الصحيحة بل المتفق على صحة كثير منها، وبهذا يرد توقف الرافعي في قول صاحب الشامل إنه من الكبائر، وكذا تقرير النووي له على توقفه هذا فإنه اعترض توقفه في غيره ولم يعترض توقفه هذا وهو أجدر وأحق بالرد، وكيف يتوقف في ذلك مع تصريح هذه الأحاديث ومع ما في الآية الثانية من لعن فاعله واستدلاله صلى الله عليه وسلم بها في أول الأحاديث المذكورة على قطيعة الله لقاطع الرحم، وقوله: إن القاطع لا يدخل الجنة، وإنه ما من ذنب أجدر أن يعجل عقوبته من ذنبه، وإنه لا يقبل عمله وغير ذلك مما مر، فحينئذ لا مساغ للتوقف، ثم رأيت الجلال البلقيني قال: ولا ينبغي التوقف في ذلك مع النص في القرآن على لعنة فاعله، ثم روي عن الباقر أن أباه زين العابدين رضي الله عنهما قال: لا تصاحب قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع وذكر الآيات الثلاث السابقة، آية القتال واللعن فيها صريح، والرعد واللعن فيها بطريق العموم؛ لأن ما أمر الله به أن يوصل يشمل الأرحام وغيرها، والبقرة واللعن فيها بطريق الاستلزام إذ هو من لوازم الخسران، وقد نقل القرطبي في تفسيره اتفاق الأمة على وجوب صلة الرحم وحرمة قطعها. ثم المراد بقطيعة الرحم ماذا؟ فيه اختلاف؛ فقال أبو زرعة الولي بن العراقي: ينبغي أن يختص بالإساءة. وقال غيره: لا ينبغي اختصاصه بذلك بل ينبغي أن يتعدى إلى ترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة إيصال نوع من أنواع الإحسان لما فسرها بذلك غير واحد فالقطيعة ضدها وهي ترك الإحسان ا هـ.

 

ج / 2 ص -127-        ولك أن تقول في كل من هذين نظر، أما الأول؛ فلأنه إن أريد بالإساءة ما يشمل فعل المكروه والمحرم أو ما يختص بالمحرم ولو صغيرة نافى ما مر عن البلقيني وغيره في ضابط العقوق من أنه إن يفعل مع أحد والديه ما لو فعله مع أجنبي كان محرما صغيرة فينتقل بالنسبة إلى أحدهما كبيرة، فإذا كان هذا هو ضابط العقوق.
ومعلوم أن حق الوالدين آكد من حق بقية الأقارب، وأن العقوق غير قطيعة الرحم كما يصرح به كلامهم، ومنه توقف الرافعي في الثاني دون الأول وجب أن يكون المراد بقطع الرحم المحكوم عليه بأنه كبيرة ما هو أشد في الإيذاء من العقوق؛ ليظهر مزية الوالدين، وما قاله أبو زرعة يلزم عليه اتحادهما بل إن القطيعة يراعى فيها ما هو أدنى في الإيذاء من العقوق بناء على أن الإساءة في كلامه تشمل فعله فيتميز بقية الأقارب على الأبوين حيث جعل مطلق الإيذاء في حقهم كبيرة والأبوان لم يجعل الإيذاء في حقهم كذلك وهذا مناف لصريح كلامهم، فوجب رد كلام أبي زرعة لئلا يلزم عليه ما ذكر.
وإذا علم أن كلامهم في العقوق يرد ما ذكره فما ذكره غيره من أن قطع الرحم عدم فعل الإحسان كلامهم يرده بالأولى، وحينئذ فالذي يتجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم أن المراد بالأول ما قدمته فيه دون ما مر عن البلقيني لما يلزم عليه أيضا من اتحادهما، وبالثاني قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان لغير عذر شرعي؛ لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذيها، ويصدق عليه حينئذ أنه قطع وصلة رحمه وما ينبغي لها من عظيم الرعاية، فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه منه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك؛ لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب، ولو فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه من الإحسان لكنه فعل معه محرما صغيرة أو قطب في وجهه أو لم يقم إليه في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك فسقا، بخلافه مع أحد الوالدين؛ لأن تأكد حقهما اقتضى أن يتميزا على بقية الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم، وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه منه قريبه مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة.
فإن قلت: فما المراد بالعذر في المال وفي نحو الزيارة والمكاتبة؟

 

ج / 2 ص -128-        قلت: ينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه أو أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه لكون الأجنبي أحوج أو أصلح فعدم الإحسان إليه أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه الفسق، وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب؛ لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي على القريب وواضح أن القريب لو ألف منه قدرا معينا من المال يعطيه إياه كل سنة مثلا فنقصه لا يفسق بذلك بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر.
فإن قلت: يلزم على ذلك امتناع القريب من الإحسان إلى قريبه أصلا خشية أنه إذا أحسن إليه يلزمه الاستمرار على ذلك خوفا من أن يفسق لو قطعه، وهذا خلاف مراد الشارع من الحث على الإحسان إلى الأقارب.
قلت: لا يلزم ذلك لما تقرر أنه لا يلزمه أن يجري على تمام القدر الذي ألفه منه بل اللازم له أن لا يقطع ذلك من أصله، وغالب الناس يحملهم شفقة القرابة ورعاية الرحم على وصلتها فليس في أمرهم بمداومتهم على أصل ما ألفوه منهم تنفير عن فعله بل حث على دوام أصله، وإنما يلزم ذلك لو قلنا: إنه إذا ألف منه شيئا بخصوصه يلزمه الجريان على ذلك الشيء المخصوص دائما ولو مع قيام العذر الشرعي، ونحن لم نقل ذلك.
وأما عذر الزيارة: فينبغي ضبطه بعذر الجمعة بجامع أن كلا فرض عين وتركه كبيرة.
وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة: فهو أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه، والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت، فتأمل جميع ما قررته واستفده فإني لم أر من نبه على شيء منه مع عموم البلوى به وكثرة الاحتياج إلى ضبطه.
وظاهر أن الأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين. وأما قول الزركشي صح في الحديث:
"أن الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه" وقضيتهما أنهما مثل الأب والأم حتى في العقوق فبعيد جدا وليس قضيتهما ذلك، إذ لا عموم فيهما ولا تعرض لخصوص العقوق

 

ج / 2 ص -129-        فيكفي تشابههما في أمر ما كالحضانة تثبت للخالة كما تثبت للأم وكذا المحرمية وتأكد الرعاية وكالإكرام في العم والمحرمية وغيرهما مما ذكر.
وأما إلحاقهما بهما في أن عقوقهما كعقوقهما فهو مع كونه غير مصرح به في الحديث مناف لكلام أئمتنا فلا معول عليه، بل الذي دلت عليه الآيات والأحاديث أن الوالدين اختصا من الرعاية والاحترام والطواعية والإحسان بأمر عظيم جدا وغاية رفيعة لم يصل إليها أحد من بقية الأقارب، ويلزم من ذلك أنه يكتفى في عقوقهما وكونه فسقا بما لا يكتفى به في عقوق غيرهما.
فإن قلت: يؤيد التفسير السابق المقابل لكلام أبي زرعة قول بعضهم في قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا يدخل الجنة قاطع" أي قاطع رحم، فمن قطع أقاربه الضعفاء وهجرهم وتكبر عليهم ولم يصلهم ببره وإحسانه وكان غنيا وهم فقراء فهو داخل في هذا الوعيد محروم دخول الجنة إلا أن يتوب إلى الله عز وجل ويحسن إليهم. وقد روي في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له أقارب ضعفاء ولم يحسن إليهم ويصرف صدقته إلى غيرهم لم يقبل الله صدقته ولا ينظر إليه يوم القيامة"، وإن كان فقيرا وصلهم بزيارتهم والتفقد لأحوالهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا أرحامكم ولو بالسلام" ا هـ.
قلت: ما قاله هذا القائل من الهجر والتكبر عليهم واضح، وأما قوله ولم يصلهم إلخ فهو بإطلاقه ممنوع أيضا وكفى في منعه ورده تصريح أئمتنا بأن الإنفاق إنما يجب للوالدين وإن علوا والأولاد وإن سفلوا دون بقية الأقارب، وبأن الصدقة على الأقارب والأرحام سنة لا واجبة فلو كان ترك الإحسان إليهم بالمال كبيرة لم يسع إطلاق الأئمة ندب ذلك، وأيضا فتعبيرهم بالقطع ظاهر في أنه كان ثم شيء فقطع، وبه يتأيد ما قدمته وقررته في معنى قطع الرحم مخالفا فيه كلا من تفسير أبي زرعة ومقابله. وأما استدلاله بهذين الحديثين فيتوقف على صحة سندهما، نعم ينبغي للموفق أن يراعي هذا القول وأن يبالغ فيما قدر عليه من الإحسان إلى أقاربه لما يأتي قريبا من الأحاديث الكثيرة المؤكدة في ذلك والدالة على عظيم فضله ورفعة محله.
وقد حكي أن رجلا غنيا حج فأودع آخر موسوما بالأمانة والصلاح ألف دينار حتى يعود من عرفة، فلما عاد وجده قد مات، فسأل ذريته عن المال فلم يكن لهم به

 

ج / 2 ص -130-        علم، فسأل علماء مكة عن قضيته فقالوا له: إذا كان نصف الليل فأت زمزم فانظر فيها وناد يا فلان باسمه، فإذا كان من أهل الخير فيجيبك من أول مرة، فذهب ونادى فيها فلم يجبه أحد، فأخبرهم فقالوا له: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ نخشى أن يكون صاحبك من أهل النار اذهب إلى أرض اليمن ففيها بئر تسمى بئر برهوت يقال إنه على فم جهنم فانظر فيه بالليل وناد يا فلان فيجيبك منها، فمضى إلى اليمن وسأل عن البئر فدل عليها، فذهب إليها ليلا ونادى فيها: يا فلان فأجابه، فقال أين ذهبي؟ فقال دفنته في الموضع الفلاني من داري ولم ائتمن عليه ولدي فأتهم واحفر هناك تجده، فقال له: ما الذي أنزلك هاهنا وقد كنت يظن بك الخير؟ قال: كان لي أخت فقيرة هجرتها وكنت لا أحنو عليها فعاقبني الله تعالى بسببها وأنزلني هذه المنزلة، وتصديق ذلك الحديث الصحيح السابق: "لا يدخل الجنة قاطع" أي قاطع رحمه وأقاربه.
"فائدة: في ذكر أحاديث فيها الحث الأكيد والتأكيد الشديد على صلة الرحم"
أخرج الشيخان:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
وأخرج أيضا:
"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ -أي يؤخر وهو بضم أوله وتشديد ثالثه المهمل وبالهمز– له في أثره أي: أجله- فليصل رحمه".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه" رواه البخاري، والترمذي ولفظه: "قال تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر" أي: بها الزيادة في العمر.
وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند والبزار بإسناد جيد والحاكم:
"من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه".
والبزار بإسناد لا بأس به والحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"مكتوب في التوراة من أحب أن يزاد في عمره وفي رزقه فليصل رحمه".

 

ج / 2 ص -131-        وأبو يعلى: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع بهما المكروه والمحذور".
وأبو يعلى بإسناد جيد عن رجل من خثعم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال:
"نعم"، قلت: يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الإيمان بالله"، قلت: يا رسول الله ثم ماذا؟ قال: "ثم صلة الرحم". قلت: يا رسول الله أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قلت: يا رسول الله ثم ماذا؟ قال: "قطيعة الرحم"، قلت: يا رسول الله ثم ماذا؟ قال: "ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف".
والبخاري ومسلم واللفظ له: عرض أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال يا رسول الله أو يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار؟ فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال:
"لقد وفق هذا أو لقد هدي، قال كيف قلت"؟ فأعادها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة" وفي رواية: "وتصل ذا رحمك" فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة".
والطبراني بإسناد حسن:
"إن الله ليعمر بالقوم الديار وينمي لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم". قيل وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "بصلتهم أرحامهم".
وأحمد بسند رواته ثقات إلا أن فيه انقطاعا: "إنه من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمرن الديار ويزدن في الأعمار".
وأبو الشيخ وابن حبان والبيهقي يا رسول الله من خير الناس؟ قال:
"أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر".
والطبراني وابن حبان في صحيحه واللفظ له، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل

 

ج / 2 ص -132-        رحمي، وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأوصاني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة".
والشيخان وغيرهما: عن ميمونة رضي الله عنها: أنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال:
"أو فعلت"؟ فقالت: نعم، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك".
وابن حبان والحاكم: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال:
"هل لك من أم"؟ قال: لا، قال: "وهل لك من خالة"؟ قال نعم، قال: "فبرها".
والبخاري وغيره:
"ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".
والترمذي وقال حسن:
"لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن لا تظلموا". والإمعة بكسر ففتح وتشديد فمهملة: هو الذي لا رأي له فهو يتبع كل واحد على رأيه.
ومسلم: يا رسول الله: إن لي قرابة أصل ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال:
"إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل -أي بفتح وتشديد الرماد الحار- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك".
والطبراني وابن خزيمة في صحيحه والحاكم. وقال صحيح على شرط مسلم:
"أفضل الصدقة صدقة على ذي الرحم الكاشح" أي الذي يضمر عداوة في كشحه: أي خصره كناية عن باطنه وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وتصل من قطعك".
والبزار والطبراني والحاكم وصححه. واعترض بأن فيه واهيا:
"ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال:

 

ج / 2 ص -133-        "تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك؛ فإذا فعلت ذلك يدخلك الجنة".
وأحمد بإسنادين أحدهما رواته ثقات. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال:
"يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك". زاد الحاكم: "ألا ومن أراد أن يمد في عمره ويبسط في رزقه فليصل رحمه".
والطبراني بسند محتج به:
"ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وأن تعفو عمن ظلمك".
والطبراني:
"إن أفضل الفضائل: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك".
والبزار:
"ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات".
وفي رواية الطبراني:
"ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع به الدرجات"؟ قال قالوا نعم يا رسول الله؟ قال: "تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".
وابن ماجه:
"أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم".
والطبراني:
"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل البر ثوابا لصلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا".
"الكبيرة الرابعة بعد الثلاثمائة: تولي الإنسان غير مواليه".
أخرج الشيخان من جملة حديث:
"ومن ادعي إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا".
وابن حبان في صحيحه:
"من تولى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار".

 

ج / 2 ص -134-        وأبو داود: "من ادعي إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة".
تنبيه: عد هذا هو صريح هذه الأحاديث وهو ظاهر.
"الكبيرة الخامسة بعد الثلاثمائة: إفساد القن على سيده".
أخرج أحمد بإسناد صحيح واللفظ له والبزار وابن حبان في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا"، وخبب بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى معناه أفسد وخدع.
وأبو داود والنسائي:
"ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده".
وأبو يعلى بسند رواته ثقات وابن حبان في صحيحه:
"من خبب عبدا على أهله فليس منا، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا".
تنبيه: عد هذا هو قضية الأحاديث، إذ نفي الإسلام وعيد شديد كما صرح به الأذرعي وغيره في نظير ذلك، ثم رأيت بعضهم صرح بأن ذلك من الكبائر.
"الكبيرة السادسة بعد الثلاثمائة: إباق العبد من سيده".
أخرج مسلم عن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة". وأخرج أيضا: "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة"، وفي رواية له: "فقد كفر حتى يرجع إليهم".
والطبراني بإسناد جيد والحاكم:
"اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع".
والترمذي وقال حسن غريب:
"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون".
والطبراني:
"أيما عبد مات في إباقه دخل النار وإن قتل في سبيل الله".
والطبراني وابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما:
"ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: السكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها، والعبد الآبق حتى يرجع فيضع يده في يد مواليه".

 

ج / 2 ص -135-        وابن حبان في صحيحه: "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه، وعبد أبق من سيده فمات مات عاصيا، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤن الدنيا فخانته بعده. وثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه فإن رداءه الكبر وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله، والقانط من رحمة الله". وروى الطبراني والحاكم شطره الأول. وعند الحاكم فتبرجت بعده بدل فخانته، وقال في حديثه: "وأمة وعبد أبق من سيده" وقال صحيح على شرطهما ولا أعلم له علة.
تنبيه: عد هذا هو صريح هذه الأحاديث الكثيرة الصحيحة وهو ظاهر.
"الكبيرة السابعة بعد الثلاثمائة: استخدام الحر وجعله رقيقا".
أخرج أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا -والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته- ورجل اعتبد محررا". قال الخطابي: اعتباد المحرر إما أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، وهذا أشر مما بعده، وإما أن يعتقله بعد العتق فيستخدمه كرها؛ انتهى. وبقي عليه أن يستخدم عتيق غيره أو يسترقه كرها.
تنبيه: عد هذا هو صريح هذا الحديث وهو ظاهر.
"الكبيرة الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة بعد الثلاثمائة: امتناع القن مما يلزمه من خدمة سيده، وامتناع السيد مما يلزمه من مؤنة قنه وتكليفه إياه عملا لا يطيقه وضربه على الدوام، وتعذيب القن بالخصاء ولو صغيرا أو بغيره أو الدابة وغيرهما بغير سبب شرعي والتحريش بين البهائم"
أخرج الطبراني في الأوسط والصغير. عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري".
وأبو الشيخ وابن حبان:
"أمر بعبد من عباد الله يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه وأفاق

 

ج / 2 ص -136-        قال: علام جلدتموني؟ قالوا إنك صليت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره.
ومسلم وغيره: عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: "كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي:
"اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا هو يقول: "اعلم أبا مسعود أن الله تعالى أقدر عليك منك على هذا الغلام، فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا". وفي رواية: "فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار".
وأبو داود عن زاذان وهو الكندي مولاهم الكوفي قال: أتيت ابن عمر رضي الله عنهما وقد أعتق مملوكا له فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يسوى هذا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من لطم مملوكا له أو ضربه فكفارته أن يعتقه".
ومسلم:
"من ضرب مملوكا له حدا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".
والطبراني بسند رواته ثقات:
"من ضرب مملوكه ظلما أقيد منه يوم القيامة".
والشيخان والترمذي واللفظ له:
"من قذف مملوكه بريئا مما قال أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال".
وأحمد وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يدخل الجنة سيئ الملكة"، قالوا: يا رسول الله أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين ويتامى؟ قال: "نعم فأكرموهم كرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون"، قالوا فما ينفعنا من الدنيا؟ قال: "فرس ترتبطه تقاتل عليه في سبيل الله ومملوكك يكفيك فإذا صلى فهو أخوك" رواه أحمد وابن ماجه والترمذي مقتصرا على قوله: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة"، وقال حسن غريب. قال أهل اللغة: سيئ الملكة هو الذي يسيء الصنيعة إلى مماليكه.
وأبو داود: أن أبا ذر ألبس غلامه مثله وأنه ذكر أن سبب ذلك أنه عير رجلا بأمه لكونها أعجمية: أي وذلك الرجل بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكاه إلى

 

ج / 2 ص -137-        رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، فقال إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله".
ورواه الشيخان والترمذي بمعناه إلا أنهم قالوا فيه:
"هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه".
وفي رواية للترمذي:
"إخوانكم جعلهم الله فتية تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه".
وفي أخرى لأبي داود:
"من لاءمكم من مماليككم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله".
وأحمد والطبراني من رواية من صحح له الترمذي والحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع:
"أرقاؤكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون فإن جاء بذنب لا تريدوا أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم".
والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال في العبيد:
"إن أحسنوا فاقبلوا، وإن أساءوا فاغفروا، وإن غلبوكم فبيعوا".
والأصبهاني:
"الغنم بركة على أهلها، والإبل عز لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير، والعبد أخوك فأحسن إليه فإن رأيته مغلوبا فأعنه".
وابن حبان في صحيحه ومسلم باختصار:
"للمملوك طعامه وشرابه وكسوته ولا يكلف إلا ما يطيق فإن كلفتموهم فأعينوهم ولا تعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم".
وأبو يعلى وابن حبان في صحيحيهما:
"ما خففت عن خادمك من عمله كان لك أجرا في موازينك".
وأبو داود عن علي كرم الله وجهه قال: كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم:
"الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم". ورواه ابن ماجه بلفظ: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". وبلفظ: كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" فما زال يقولها حتى ما يفيض لسانه.

 

ج / 2 ص -138-        ومسلم: "كفى بالمرء إثما أن تحبس عمن تملك قوتهم".
والطبراني بسند لا بأس به أنه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس ليال قال:
"لم يكن نبي إلا وله خليل من أمته وإن خليلي أبو بكر بن أبي قحافة، وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا ألا وإن الأمم قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد وإني أنهاكم عن ذلك. اللهم هل بلغت" ثلاث مرات ثم قال: "اللهم اشهد" ثلاث مرات. وأغمي عليه هنيهة ثم قال: "الله الله فيما ملكت أيمانكم أشبعوا بطونهم واكسوا ظهورهم وألينوا القول لهم".
وأبو داود والترمذي وقال حسن غريب، وفي بعض النسخ حسن صحيح: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم قال:
"كل يوم سبعين مرة".
وفي رواية: سندها جيد: إن خادمي يسيء ويظلم أفأضربه؟ قال:
"تعفو عنه كل يوم سبعين مرة".
وأحمد بسند صحيح احتج برواته البخاري، فقول الترمذي إنه غريب ممنوع. عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل" فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما تقرأ قول الله تبارك وتعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] فقال الرجل يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء خيرا من مفارقتهم أشهدك أنهم كلهم أحرار.
والطبراني بسند حسن:
"من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة".
وأبو يعلى بأسانيد أحدها جيد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه وخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهيمة فقالت أراك تلعبين بهذه البهيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقالت لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك،

 

ج / 2 ص -139-        فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك"، وفي رواية: "لضربتك بهذا السواك". والشيخان: "من لا يرحم لا يرحم".
والبخاري وغيره:
"دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض"، وفي رواية: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". زاد أحمد: "فوجبت لها النار بذلك". وخشاش الأرض بمعجمات: حشراتها ونحو عصافيرها مثلثة الخاء.
وابن حبان في صحيحه:
"دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ورأيت فيها ثلاثة يعذبون: امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لها لم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض فهي تنهش قبلها ودبرها، ورأيت فيها أخا بني دعدع الذي كان يسرق الحاج بمحجنه فإذا فطن له قال إنما تعلق بمحجني، والذي سرق بدنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية له ذكر فيها الكسوف قال: "وعرضت علي النار فلولا أني دفعتها عنكم لغشيتكم، ورأيت فيها ثلاثة يعذبون امرأة حميرية سوداء طويلة تعذب في هرة لها أوثقتها فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض ولم تطعمها حتى ماتت فهي إذا أقبلت نهشتها وإذا أدبرت نهشتها" الحديث. المحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة بعدهما جيم مفتوحة: هي عصا محنية الرأس.
والبخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقال:
"دنت النار مني حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة -حسبت أنه قال: تخدشها هرة قال ما شأن هذه؟ قالوا حبستها حتى ماتت جوعا".
وأبو داود والترمذي متصلا ومرسلا عن مجاهد وقال في المرسل هو أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم".
تنبيه: عد الأولى من هذه الخمس ظاهر؛ لأنه ظلم للسيد، بل أحاديث الإباق السابقة تشمله؛ لأن الامتناع من خدمة السيد الواجبة والتقصير فيها كالإباق في المعنى، وسيأتي في أحاديث الظلم ما يشمله، وعد الأربعة الباقية هو صريح الأحاديث التي ذكرتها وهو ظاهر حتى في التحريش، إذ هو جملة التعذيب.

 

ج / 2 ص -140-        وقد قال الأذرعي: ويشبه أن يكون قتل الهر الذي ليس بمؤذ عمدا من الكبائر؛ لأن امرأة دخلت النار في هرة. الحديث، ويلحق بها ما في معناها انتهى.
والقتل ليس بشرط بل الإيذاء الشديد كالضرب المؤلم كذلك، ثم رأيت بعضهم صرح بأن تعذيب الحيوان من غير موجب وخصاء العبد وتعذيبه ظلما أو بغيا من الكبائر ويقاس بالعبد غيره، نعم الحيوان المذكور يجوز خصاء صغيره لمصلحة سمنه وطيب لحمه، وبأن سوء الملكة للرقيق والبهائم من الكبائر أيضا.
ولما فرغت من هذا المبحث رأيت بعضهم أطال فيه، فأحببت تلخيص ما زاد به على ما قدمته وإن كان في خلاله شيء مما قدمته. قال: الكبيرة الحادية والخمسون الاستطالة على الضعيف والمملوك والجارية والزوجة والدابة، لأن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم بقوله تعالى:
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36] فالإحسان للوالدين والأقارب بالبر، وباليتامى بالرفق والتقريب ومسح الرأس، وبالمساكين بإعطاء اليسير أو الرد الجميل، والجار ذي القربى هو من بينك وبينه قرابة فله حقها وحق الجوار والإسلام، والجار الجنب هو الأجنبي وله الحقان الأخيران، والصاحب بالجنب. قال ابن عباس ومجاهد: هو الرفيق في السفر فله حق الجوار وحق الصحبة، وما ملكت أيمانكم: يريد المملوك يحسن رزقه ويعفو عنه فيما يخطئ، ومن ثم رفع أبو هريرة سوطا على أمة له زنجية ثم قال: لولا القصاص لأغشيتكيه، ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك اذهبي فأنت حرة لوجه الله.
وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إني قلت لأمتي يا زانية. قال:
"وهل رأيت عليها ذلك؟" قالت: لا، قال: "أما إنها ستقيد منك يوم القيامة"، فرجعت المرأة إلى جاريتها فأعطتها سوطا وقالت اجلديني فأبت الجارية فأعتقتها، ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بعتقها فقال: "عسى" أي عسى أن يكفر عتقك إياها ما قذفتها به، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي بهم عند خروجه من الدنيا كما مرت أحاديثه، ثم يقول: "ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".

 

ج / 2 ص -141-        ودخل جماعة على سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو أمير على المدائن فوجدوه يعجن عجين أهله، فقالوا: ألا تترك الجارية تعجن؟ فقال رضي الله عنه: إنا أرسلناها في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملا آخر.
قال بعض السلف: لا تضرب المملوك في كل ذنب ولكن احفظ له ذلك، فإذا عصى الله تعالى فاضربه على معصية الله، وذكره الذنوب التي بينك وبينه.
ومن أعظم الإساءة على الجارية أو العبد أو الدابة أن تجوعه لقوله صلى الله عليه وسلم:
"كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته". ومن ذلك أن يضرب الدابة ضربا وجيعا أو يحبسها أو لا يقوم بكفايتها أو يحملها فوق الطاقة. فقد روي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] قيل أي بل ورد في السنة: "يؤتى بهم والناس وقوف يوم القيامة فيقضى بينهم حتى إنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حتى يقاد من الذرة للذرة، ثم يقال كونوا ترابا؛ فهناك يقول الكافر: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]" فهذا من الدليل على القصاص بين البهائم وبينها وبين بني آدم، حتى الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوعها أو عطشها أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بنظير ما ظلمها أو جوعها، ويدل لذلك حديث الهرة السابق بطرقه.
وفي الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم رأى المرأة معلقة في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها وتعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس والجوع. وهذا عام في سائر الحيوانات، وكذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة لحديث الصحيحين:
"بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث، فهذه بقرة أنطقها الله في الدنيا تدافع عن نفسها بأنها لا تؤذى ولا تستعمل في غير ما خلقت له، فمن كلفها فوق طاقتها أو ضربها بغير حق، فيوم القيامة يقتص منه بقدر ضربه وتعذيبه".
قال أبو سليمان الداراني: ركبت مرة حمارا فضربته مرتين أو ثلاثا، فرفع رأسه ونظر إلي وقال: يا أبا سليمان هو القصاص يوم القيامة؛ فإن شئت فأقلل وإن شئت فأكثر، قال فقلت لا أضربه شيئا بعده أبدا. ومر ابن عمر رضي الله عنهما بصبيان من

 

ج / 2 ص -142-        قريش قد نصبوا طائرا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا. فقال ابن عمر من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا أي هدفا يرمى إليه. ونهى صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم: أي أن تحبس للقتل، فإن كانت مما ندب قتله كالفواسق الخمس قتلت دفعة من غير تعذيب للحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، وكذا لا يحرقها بالنار للحديث الصحيح: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"من فجع هذه بولديها ردوا عليها ولديها". ورأى صلى الله عليه وسلم قرية نمل -أي مكانه- قد حرقناها.
فقال من حرق هذه؟ قلنا نحن، فقال صلى الله عليه وسلم:
"إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار"، وفيه النهي عن التعذيب بالنار حتى في النمل والبرغوث.