نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة الرعد - الحجر - النحل - بني إسرائيل

باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة الرعد
...
باب: ذكر الآيات التي1ادعي عليهن النسخ في سورة الرعد
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} 2.
قد توهم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة، لأنه قال: المراد بالظلم ها هنا الشرك ثم نسخت بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} 3وهذا التوهم فاسد، لأن الظلم عام، وتخصيصه بالشرك ها هنا- يحتاج إلى دليل، ثم إن كان المراد به الشرك، فلا يخلوا الكلام من أمرين:
إما أن يراد به التجاوز عن تعجيل عقابهم في الدنيا، أو الغفران لهم إذا رجعوا عنه، وليس في الآية ما يدل على أنه يغفر للمشركين إذا ماتوا على الشرك4.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} 5 .
__________
1 في (هـ): اللواتي
2 الآية (6) من سورة الرعد.
3 الآية (48) من سورة النساء.
4 قلت: أعرض عن دعوى النسخ في هذه الآية النحاس، ومكي بن أبي طالب، أما ابن حزم في ناسخه ص: 342، وابن سلامة في ناسخه (57) فقد عداها مما اختلف في نسخها وقال بن سلامة عن السدي: إنما هو إخبار من الله تعالى، وتعطف على خلقه. وأما ابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (27) فقد نقل عن مجاهد أنها محكمة وعن الضحاك أنها منسوخة. وأما المؤلف ابن الجوزي فلم يتعرض لها في مختصر عمدة الراسخ أصلاً إنما ذكر النسخ فيها عن بعض المفسرين في زاد المسير ثم قال: والمحققون على أنها محكمة.
5 الآية (40)من سورة الرعد.

(2/485)


روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} نسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وكذلك قال: قتادة1. وعلى ما سبق تحقيقه في مواضع من أنه ليس عليك أن (تأتيهم)2بما يقترحون من الآيات إنما عليك أن تبلغ3. تكون محكمة ولا يكون بينها وبين آية السيف منافات4.
__________
1 ذكر النسخ هنا، هبة الله، وابن هلال، في المصدرين السابقين.
2 في (هـ): يأتيهم، بالياء التحتانية، وهو خطأ.
3 انظر مثلاً مما سبق مناقشة الآية (12)من سورة هود.
4 قلت: ذكر نحو هذا الكلام المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (9) ونقل دعوى النسخ في زاد المسير4/339، عمن نقله هنا، ولم يعدها من المنسوخة الإمام الطبري والإمام النحاس ومكي بن أبي طالب.

(2/486)


باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة الحجر
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 1 .
قد زعم كثير من المفسرين: أنها منسوخة بآية السيف2. والتحقيق أنها وعيد وتهديد، وذلك لا ينافي قتالهم فلا وجه للنسخ3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} 4.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال: أبنا البرمكي قال: أبنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عبد الله بن سعيد، قال: بنا عقبة، عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد، وعكرمة {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} قال: هذا قبل القتال5.
__________
1 الآية الثالثة من سورة الحجر.
2 عد هذه الآية من المنسوخة ابن حزم الأنصاري في ناسخه ص: 243، وابن سلامة في ناسخه (58) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (27).
3 قلت: أعرض النحاس ومكي بن أبي طالب عن ذكر النسخ في هذه الآية، وقد ذكره المؤلف في زاد المسير 4/838، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة (9) فرده بمثل ما رد به هنا.
4 الآية (85) من سورة الحجر.
5 أخرجه الطبري عن مجاهد من طريق إسرائيل، في جامع البيان 14/35، وذكره السيوطي في الدر المنثور4/104 معزياً إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وفيه هذا قبل القتال.

(2/487)


قال أبو بكر: وبنا موسى بن هارون، قال: بنا الحسين، قال: بنا شيبان عن قتادة {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} قال: نسخ هذا بعد، فقال: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} 1.
__________
1 الآية (191) من سورة البقرة و(91) من سورة النساء.
قلت: أخرج قول النسخ عن قتادة ابن جرير الطبري في المصدر السابق، كما ذكره النحاس في ناسخه ص: 179، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح (285) عن سعيد عن قتادة، وذكر النسخ أيضاً المؤلف في زاد المسير4/412، ومختصر عمدة الراسخ ورقة (9) لكن هؤلاء لم يناقشوا قضية النسخ كأن وقوع النسخ هنا مسلم لديهم.
ويقول ابن كثير: بعد عزو قول النسخ إلى مجاهد وقتادة: "وهو كما قالا: فإن هذه مكية، والقتال إنما شرع بعد الهجرة". انتهى، من تفسير القرآن العظيم 2/556.
وأما القرطبي فيقول في تفسيره 10/54 بعد إيراد دعوى النسخ عن قتادة وعكرمة ومجاهد: "قيل: ليس بمنسوخ وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم والصفح الإعراض عن الحسن وغيره".
ويقول الخازن في تفسيره 3/101 بعد إيراد قول النسخ: "قيل: فيه بعد، لأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يظهر الخلق الحسن، وأن يعاملهم بالعفو والصفح الخالي من الجزع والخوف، يعني: ولو كان الصفح منطوياً على حقد لما كان الصفح جميلاً".
ويقول الشيخ مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم 2/537 وهو يرد دعوى النسخ في هذه الآية: "ونحن لا نرى تلازماً بين كون هذه الآية مكية وكونها منسوخة، فما ذهب إليه ابن كثير من قبوله دعوى النسخ، اعتماداً على مكية الآية، ومشروعية القتال بعد الهجرة - ليس صحيحاً ولا لازماً عندنا، وبخاصة أن الله عزوجل توعدهم - على أنه قد وقع منهم ما يقتفي الصفح عنهم - بعذابه قي الآخرة فإن يكن بد من الربط بين الأمر بالصفح عنهم والأمر بقتالهم - فإن الأمر بالصفح أناء للقتال فلا ينافيه وهذا حسم وإبطال لدعوى النسخ لا سبيل للاعتراض عليه".

(2/488)


ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ} 1.
قد زعم قوم: أن هذا كان قبل أن يؤمر بقتالهم ثم نسخ بآية السيف2. وهذا ليس بشيء، لأن المعنى: لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا، وقيل: لا تحزن بما أنعمت عليهم في الدنيا، ولا وجه للنسخ، وكذلك قال: أبو الوفاء ابن عقيل، قد ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف وليس بصحيح3.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} 4.
زعم بعضهم أن معناها نسخ بآية السيف5. لأن المعنى عنده: اقتصر على الإنذار، وهذا خيال فاسد، لأنه ليس في الآية ما يتضمن هذا، ثم هي خبر فلا وجه للنسخ6.
__________
1 الآية (88) من سورة الحجر.
2 ذكره ابن حزم في ناسخه (343) وابن سلامة في ناسخه (58) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (27).
3 قلت:لم يذكر الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب والمؤلف في تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ، دعوى النسخ في هذه الآية إذ لم يعتبروا هذا القول الضعيف جديراً بالذكر.
4 الآية (89) من سورة الحجر.
5 قال ابن حزم: "نسخ معناها ولفظها بآية السيف" وقال ابن سلامة: "نسخ معناها لا لفظها". انظر: المصدرين السابقين.
6 قلت:لم يعدها المؤلف في مختصر عمدة الراسخ من المنسوخة وقد ذكرها في تفسيره 4/416 بدون رد ولا تعليق، وأعرض عن ذكره النحاس ومكي بن أبي طالب في ناسخيهما.

(2/489)


ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} 1.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: حدثت عن معاوية بنا صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} قال: نسختها: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: بنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي عن الحسين بن الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ، قال: هذا من المنسوخ3.
__________
1 الآية (94) من سورة الحجر.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
ذكر هذا القول النحاس وأبو محمد مكي بن أبي طالب بدون إسناد، عن علي عن ابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور معزياً إلى أبي داود في ناسخه، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 179؛ والإيضاح ص: 285؛ والدر المنثور 4/106.
3 أخرجه الطبري بهذا الإسناد الذي هو مسلسل بالضعفاء عن ابن عباس، وقد نسب المؤلف دعوى النسخ إلى أكثر المفسرين ولم يبد رأيه فيه، والذي يظهر أن المؤلف يميل إلى القائلين بالنسخ في الآيات التي ورد فيها الإعراض عن المشركين، حيث لا يناقش الآية ولا يعترض. انظر: مناقشة الآيات مما سبق (63) و (81) من سورة النساء و(42) من المائدة، و (106) من الأنعام، ولكنه يقول في آية النجم (29) {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا}: زعموا أنها منسوخة، ولم يظهر مذهبه، أيضاً. ولكن الظاهر من كلمة زعم عدم القبول، والله أعلم.

(2/490)


باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة النحل
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} 1.
اختلف المفسرون بالمراد بالسكر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا أبو الفضل البقال، قال: أبنا أبو الحسن بن بشران، قال: أبنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} قال: النبيذ فنسختها: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} 2 الآية.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا حفص بن
__________
1 الآية (67) من سورة النحل.
2 الآية (90) من سورة المائدة.
والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 4/122 وعزاه إلى أبي داود في ناسخه، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن المنذر، عن ابن عاس رضي الله عنهما.

(2/491)


عمر، قال: بنا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم، والشعبي، وأبي رزين1 أنهم قالوا: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} 2 (قالوا)3 هذه منسوخة4.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عبد الله بن الصباح، قال: بنا أبو علي الحنفي، قال: بنا إسرائيل عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير في قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} ، قال: الخمر5.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال: بنا إبراهيم ابن الحسين قال:بنا آدم،قال بناورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} قال: السكر: الخمر قبل تحريمها، وهذا قول الحسن6 وابن
__________
1 أما أبو رزين؛ فهو: مسعود بن مالك، أبو رزين الأسدي الكوفي ثقة فاضل من الثانية مات سنة 85هـ، وهو غير أبي رزين الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم من خلطهما. انظر: تقريب التهذيب (334).
2 الآية (67) من سورة النحل.
3 في (هـ): قال، بالإفراد. وهو خطأ.
4 أخرجه الطبري في جامع البيان 14/91 عن إبراهيم، والشعبي وأبي رزين من طريق مغيرة.
5 ذكره السيوطي في الدر المنثور4/122، وعزاه إلى ابن أبي شيبة عن سعيد ابن جبير، وأخرجه الطبري عن إبراهيم من طريق الهيثم في جامع البيان14/92.
6 أخرج الطبري نحو هذا المعنى عن مجاهد من عدة طرق، وعن الحسن من طريقين في جامع البيان 14/91.

(2/492)


أبي ليلى والزجاج، وابن قتيبة1 ومذهب أهل هذا القول أن هذه الآية نزلت (إذ كانت)2 الخمر مباحة ثم نسخت بقوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} 3 ومن صرح بأنها منسوخة سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والنخعي4.
ويمكن أن يقال على هذا القول ليست بمنسوخة، ويكون المعنى: أنه خلق لكم هذه الثمار لتنتفعوا بها على وجه مباح، فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم. ويؤكد هذا أنها خبر والأخبار لا تنسخ وقد ذكر نحو هذا المعنى الذي ذكرته (أبو الوفاء)5 ابن عقيل فإنه قال: ليس في الآية ما يقتضي إباحة السكر، إنما هي معاتبة وتوبيخ.
والقول الثاني: أن السكر الخلّ بلغة الحبشة روى عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: بنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي عن الحسين بن
__________
1 أورد المؤلف في زاد المسير 4/464، عن هؤلاء جميعاً بأن معنى السكر الخمر.
2 في (هـ): إذا كانت، وهو خطأ.
3 الآية (90) من سورة المائدة.
4 ذكر النسخ النحاس في ناسخه (180) عن هؤلاء وعن أبي رزين، ثم رد عليهم بقوله: "وهو خبر، والأخبار لا تنسخ". وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور4/122، قول النسخ، معزياً إلى عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة، وإلى ابن الأنباري والبيهقي عن إبراهيم النخعي والشعبي.
5 في (م): أبو الوفى. وهو خطأ إملائي.

(2/493)


الحسن بن عطية، عن أبيه عن عطية، قال: قال ابن عمر إن الحبشة يسمون الخل السكر1. وقال الضحاك: هو الخل بلسان اليمن2.
والثالث: أن السكر: الطعم. يقال هذا له سكر أي: طعم3. وأنشدوا: جعلت (عنب الأكرمين سكراً)4.
قاله: أبو عبيدة، فعلى هذين القولين الآية محكمة5.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 6.
__________
1 ذكر هذا المعنى بهذا الإسناد الضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان14/92 كما ذكره المؤلف في زاد المسير4/464، عن طريق العوفي عن ابن عباس.
2 قاله المؤلف في المصدر السابق عن الضحاك.
3 ذكر هذا المعنى النحاس في ناسخه (180) وابن العربي في أحكام القرآن3/1153 ومكي بن أبي طالب في الايضاح (288) عن أبي عبيدة.
4 تجد هذا الشعر في جامع البيان14/92 والقرطبي 10/129 وقائل هذا البيت هو: جندل بن مثنى الطهوري. وفي رواية عرض الأكرمين.
5 قلت: سلك المؤلف في زاد المسير4/464-465، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة (9) مسلكه هنا مناقشة وترجيحاً. كما ذهب الطبري، والنحاس في المصدرين السابقين إلى إحكام الآية، وقال الطبري: "الآية محكمة غير منسوخة، وأن أولى الأقوال المؤيدة لذلك، قول من قال بأن السكر هو كل ما كان حلالاً شربه، كالنبيذ الحلال، والخل الرطب والرزق الحسن والتمر والزبيب". روى ذلك بإسناده عن مجاهد، وعامر، ومجالد، والشعبي.
6 الآية (82) من سورة النحل.

(2/494)


قال كثير من المفسرين: إنها منسوخة بآية السيف، وقد بينا في نظائرها أنه لا حاجة بنا إلى (ادعاء)1 النسخ في مثل هذه2.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 3.
اختلف المفسرون4 في هذه الآية على أربعة أقوال:
أحدها: أن المعنى جادلهم بالقرآن.
والثاني: بلا إله إلا الله، والقولان عن ابن عباس،5 رضي الله عنهما.
والثالث: أعرض عن أذاهم إياك.
أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قال: أبنا أبو طاهر، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم الحسين، قال: أبنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 6 قال: يقول أعرض عن أذاهم إياك7.
__________
1 في (هـ): ادعى. وهو خطأ إملائي.
2 انظر مثلاً فيما سباق شرح الآيات (20) آل عمران، و(99) منها.
3 الآية (125) من سورة النحل.
4 في (م): المفسرين، وهو خطأ من الناسخ.
5 قد ذكر المؤلف هذين القولين عن ابن عباس رضي الله عنهما في زاد المسير4/506
6 الآية (125) من سورة النحل.
7 أخرجه الطبري في جامع البيان عن مجاهد، وذكره السيوطي في الدر المنثور4/135 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه.

(2/495)


والرابع: جادلهم غير فظ ولا غليظ وألن لهم جانبك، قاله الزجاج1.
وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف2. وفيه بعد، لأن المجادلة لا تنافي القتال، ولم يقل له، اقتصر على جدالهم، فيكون المعنى جادلهم فإن أبوا فالسيف فلا يتوجه نسخ3.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} 4.
للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها (نزلت)5 قبل براءة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يقاتل من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد. قاله ابن عباس والضحاك.
__________
1 أورد هذا الرأي في زاد المسير4/506 عن الزجاج.
2 ذكر النحاس دعوى النسخ في ناسخه (185) دون أن يدعم قوله بأي دليل عقلي أو نقلي.
3 في (هـ): النسخ، بال.
قلت: ذكر دعوى النسخ المؤلف في المصدر السابق وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة (9) ثم رده بمثل مارد به هنا. وأما مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص:291 فيقول بعد ذكر قول النسخ: "وهذا لا يجوز نسخه لأنه انتهاء إلى ما أمر الله به، والكف عما نهى الله عنه، فالآية محكمة".
4 الآية (126) من سورة النحل.
5 في (هـ): ليست. وهو تحريف ظاهر.

(2/496)


أخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال: حدثي محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} 1 فقال: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة، فهذا من المنسوخ، فعلى هذا القول، يكون المعنى: ولئن صبرتم عن القتال، ثم نسخ هذا بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
والثاني: أنها محكمة، وأنها نزلت فيمن ظلم ظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظلم منه. قاله الشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والثوري.
أخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو طاهر، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم قال بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} يقول: لا تعتدوا يعني: محمداً وأصحابه3. وعلى هذا القول يكون المعنى: ولئن صبرتم على المثلة لا عن4 القتال. وهذا أصح من القول الأول5.
__________
1 في (هـ): (فعوقبوا)، وهو خطأ من الناسخ.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة. وقد أخرج هذا الأثر ابن جرير الطبري في جامع البيان14/132، عن ابن عباس من طريق العوفي وهو إسناد مسلسل بالضعفاء.
3 أخرجه الطبري في جامع البيان14/132-133، عن مجاهد وابن سيرين وإبراهيم النخعي، كما ذكره المؤلف في تفسيره عمن ذكر عنهم هنا. انظر: زاد المسير 4/508.
4 في (هـ): على، والذي أثبت عن تفسيره أنسب.
5 أورد المؤلف رأيين في كتابيه التفسير ومختصر عمدة الراسخ بدون ترجيح في هذه الآية ولم يعدها من المنسوخة النحاس، ولا مكي بن أبي طالب.

(2/497)


ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} 1.
هذه الآية متعلقة بالتي قبلها فحكمها حكمها، وقد زعم بعض المفسرين أن الصبر هاهنا منسوخ بآية السيف2.
__________
1 الآية (127) من سورة النحل.
2 ساق ابن كثير في تفسيره حديثاً – وهو يفسر هذه الآية - يشير به إلى أن هذا الصبر على الانتقام من قريش يوم الفتح، وهو صبر الناصر الفاتح، والحديث مروي عن الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب، قال: "لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلاً ومن المهاجرين ستة فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنمثلن بهم، فلما كان يوم الفتح، قال رجل: لا تعرف قريش بعد هذا اليوم، فنادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن الأسود والأبيض إلا فلاناً وفلاناً - ناساً سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} إلى آخر السورة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نصبر ولا نعاقب"، وقد ذكر المؤلف هذا الحديث من أسباب نزول هذه الآية في تفسيره مختصراً. انظر: تفسير القرآن العظيم 2/592؛ وزاد المسير 4/507.

(2/498)


باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة بني إسرائيل
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا} 1.
قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء للوالدين المشركين، وروى نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وعكرمة ومقاتل.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن قهزاذ قال: حدثني علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (في)2 قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} إلى قوله: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} نسختها {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} 3.
__________
1 الآية (24) من سورة الإسراء.
2 في (م): وقوله، وهو تحريف.
3 الآية (113) من سورة التوبة.
وهذا الأثر، رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس رضي الله عنهما في باب: لا يستغفر لأبيه المشرك، كما رواه الطبري أيضاً عن عكرمة من طريق علي بن الحسن بن واقد، انظر: الأدب المفرد1/80؛ رقم (80)؛ وجامع البيان 15/50.

(2/499)


قال أبو بكر: وبنا محمد بن (سعد)1 قال: حدثني أبي (عن الحسين بن الحسن)2 بن عطية عن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} إلى قوله : {صَغِيراً} فنسخها {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} 3.
قال أبو بكر: وبنا أحمد بن يحيى بن مالك، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد عن قتادة نحوه4.
أخبرنا بن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: أبنا أحمد بن محمد، قال: بنا عبد الله بن عثمان، عن عيسى بن عبيد الله عن عبيد الله مولى عمر عن الضحاك {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا} نسخ منها بالآية التي (في)5 براءة {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} 6 .
__________
1 في (هـ) سعيد. وهو خطأ كما قدمنا في ترجمة محمد بن سعد عند ذكر آية (180) من البقرة.
2 في (هـ): تقديم وتأخير، ولعله من الناسخ.
3 الآية (113) من التوبة.
والأثر أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في جامع البيان 15/50.
4 أخرجه النحاس عن قتادة في ناسخه (181) وقد أورد النحاس هذا القول عن قتادة بأسلوب يوحي بإحكام الآية، حيث قال: (والآية مستثنى منها الكفار) فذكر قول قتادة.
5 في (هـ): هي، بدل في، وهو تحريف من الناسخ.
6 الآية (113) من سورة التوبة. وقد ذكر المؤلف في زاد المسير5/26 هذا القول عن ابن عباس والحسن، وعكرمة ومقاتل.

(2/500)


قلت: وهذا ليس بنسخ عند الفقهاء إنما هو عام دخله التخصيص وإلى نحو ما قلته ذهب ابن جرير والطبري1.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} 2.
للمفسرين في معنى الوكيل ثلاثة أقوال:
أحدها: كفيلاً (تؤخذ بهم)3 قاله بن عباس رضي الله عنهما.
والثاني: حافظاً ورباً، قاله الفراء4.
والثالث: كفيلاً بهدايتهم وقادراً على إصلاح قلوبهم ذكره ابن الأنباري. وعلى هذا، الآية محكمة. وقد زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف5، وليس بصحيح، وقد تكلمنا على نظائرها فيما سبق6.
__________
1 تجد كلام الطبري في جامع البيان15/50.
قلت: وللمؤلف كلام شبيه بهذا في المصدر السابق رداً وتوجيهاً، وكذا في مختصر عمدة الراسخ الورقة (9)، وبالإحكام قال مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 293.
2 الآية (54) من سورة الإسراء.
3 في (هـ): توخذه ولعله خطأ من الناسخ. وقد ذكر هذا القول المصنف في زاد المسير 5/48 عن أبي صالح عن ابن عباس.
4 ذكره المؤلف أيضاً في نفس المصدر عن الفراء.
وأما الفراء؛ فهو: إبراهبم بن موسى بن يزيد التميمي أبو إسحاق الرازي، يلقب بالصغير ثقة حافظ من العاشرة، مات بعد العشرين ومائتين. انظر: التقريب ص: 23- 24.
5 ذكر هذا القول ابن حزم في ناسخه ص: 345، وابن سلامة في ناسخه (64).
6 انظر مثلاً مما تقدم مناقشة الآيات (66 - 107) من سورة الأنعام، و(108) من سورة يونس.

(2/501)


ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 1.
قد زعم من قل فهمه، من نقلة التفسير أن هذه الآية لما نزلت امتنع الناس من مخالطة اليتامى فنزلت: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} 2. وهذا يدل على جهل قائله بالتفسير ومعاني القرآن أيراه يجوز قرب مال اليتيم بغير التي هي أحسن حتى يتصور نسخ وإنما المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين أنهم كانوا يخلطون طعامهم بطعام اليتامى، فلما نزلت هذه الآية عزلوا طعامهم عن طعامهم، وكان يفضل الشيء فيفسد، فنزل قوله: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} 3 فأما أن تدعي نسخ فكلا…4.
__________
1 الآية (34) من سورة الإسراء.
قلت: وكان من المفروض أن يقدم هذه الآية على التي قبلها، كي تكون مرتبة الأرقام حسبما التزم المؤلف في مقدمة الكتاب.
2 الآية (220) من سورة البقرة.
3 الآية (220) من سورة البقرة.
4 انظر إن شئت ما ذكره المؤلف في تفسير آية (152) من سورة الأنعام من زاد المسير عن مال اليتيم. وأما دعوى النسخ في هذه الآية فقد أعرض عنه المؤلف في تفسيره، ومختصر عمدة الراسخ، وذكر النحاس ما يشير إلى النسخ عن قتادة، كما ذكر ذلك مكي بن أبي طالب عن مجاهد، ثم قال: والذي يوجبه النظم وعليه جماعة من العلماء، أنه غير منسوخ، لأنه قال تعالى: {إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ففي هذا جواز مخالطتهم بالتي هي أحسن وهو قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح} (220) البقرة، فكلتا الآيتين يجوز مخالطة اليتيم، فلا يجوز أن تنسخ أحدهما الأخرى، لأنهما في معنى واحد. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (183)؛ والإيضاح (294).

(2/502)


ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} 1.
روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} 2 وقال ابن السائب: نسخت بقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} 3 وهذا القول ليس بصحيح وليس بين الآيات تناف ولا وجه للنسخ.
وبيان هذا أن المفسرين اختلفوا في المراد بقوله :{وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} فقال قوم: هي الصلاة الشرعية، لا تجهر بقراءتك فيها ولا تخافت بها4.
__________
1 الآية (110) من سورة الإسراء.
2 الآية (205) من الأعراف. ذكر النحاس في ناسخه ص: 183، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكر عنه مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 296
3 الآية (94) من سورة الحجر، أورد المؤلف هذا القول والذي قبله في زاد المسير 5/101 عمن أوردهما هنا.
4 رواه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: صحيح البخاري مع الفتح 10/20- 21، من كتاب التفسير؛ وصحيح مسلم بشرح النووي 4/164-165، في باب (التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية).

(2/503)


وقال آخرون الصلاة: الدعاء، فأمر التوسط في رفع الصوت، وذلك لا ينافي التضرع1.
__________
1 روى هذا المعنى البخاري في صحيحه والطبري في جامع البيان عن عائشة رضي الله عنها قال الحافظ في الفتح: (رجح النووي وغيره قول ابن عباس كما رجحه الطبري، لكن يحتمل الجمع بينهما، بأنها نزلت في الدعاء، داخل الصلاة. وقد روى ابن مردويه من حديث أبي هريرة، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنزلت: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} " انتهى من فتح الباري10/21.
قلت: حكى دعوى النسخ هنا النحاس في ناسخه ص: 183- 184، والمؤلف في تفسيره 5/101 واستبعدا هذا القول، وذكر النسخ مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 296-297، ولكنه قال بعد إيراد قول أبي هريرة، وأبي موسى، وعائشة، من أن معنى الصلاة الدعاء: (فتكون الآية محكمة غير منسوخة).

(2/504)


فأما سورة الكهف: فليس فيها منسوخ إلا أن السدي يزعم: أن قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} 1. قال: وهذا تخيير نسخ بقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 2 وهذا تخليط في الكلام، وإنما هو وعيد وتهديد، وليس بأمر (كذلك قال الزجاج وغيره)3 ولا وجه للنسخ.
__________
1 الآية (29) من سورة الكهف.
2 الآية (30) من سورة الدهر. ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: 346 وابن سلامة في ناسخه ص: 61.
3 وقد أورد المؤلف قول الزجاج هذا في زاد المسير5/134.

(2/505)