|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة مريم - طه - الحج - المؤمنون
- النور - الفرقان
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
مريم
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} 1.
زعم بعض المغفلين من ناقلي التفسير، أن الإنذار (منسوخ بآية السيف)2
وهذا تلاعب من هؤلاء بالقرآن ومن أين يقع التنافي بين إنذارهم القيامة،
وبين قتالهم في الدنيا.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} 3.
زعم بعض الجهلة أنه منسوخ بالاستثناء بعده، وقد بينا أن الاستثناء ليس
بنسخ4.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا} 5.
__________
1 الآية (39) من سورة مريم.
2 ذكر النسخ هنا ابن حزم في المصدر السابق وابن سلامة في ناسخه ص: 62،
ولم يتعرض له المؤلف في كتابيه التفسير، ومختصر عمدة الراسخ.
3 الآية (59) من سورة مريم.
4 عد هذه الآية من المنسوخة ابن حزم في ناسخه 346،وابن سلامة في ناسخه
(62) بلفظ ثم استثنى بقوله: {إلا من تاب} ولم يتعرض له المؤلف في
تفسيره ومختصر عمدة الراسخ.
5 الآية (71) من سورة مريم.
(2/507)
زعم ذلك
الجاهل أنها نسخت بقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} 1 وهذا
من أفحش الإقدام على الكلام في كتاب الله سبحانه بالجهل. وهل بين
الآيتين تناف فإن الأولى (تثبت)2 أن الكل يردونها، والثانية (تثبت)3
أنه ينجو منهم من اتقى، ثم (هما)4 خبران والأخبار لا تنسخ5.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً} 6.
وزعم ذلك الجاهل، أنها منسوخة بآية السيف7. وهذا باطل. قال الزجاج: هذه
الآية لفظها لفظ أمر، ومعناها الخبر، والمعنى: إن الله تعالى جعل جزاء
ضلالته أن يتركه فيها8. وعلى هذا لا وجه للنسخ.
ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا
نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} 9.
__________
1 الآية (72) من السورة نفسها.
2 في (هـ): ثبت.
3 في (هـ): ثبت.
4 في (هـ): هم، وهو خطأ.
5 ذكر النسخ هنا مكي بن أبي طالب في الإيضاح (301) عن قوم ثم رده
بقوله: إنه خبر لا يجوز نسخه. وأما الطبري والنحاس، والمؤلف في تفسيره
ومختصر عمدة الراسخ فأعرضوا عن ذكره.
6 الآية (75) من سورة مريم.
7 ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه (346) وابن سلامة في ناسخه
(62).
8 ذكر المؤلف هذا المعنى في زاد المسير5/259 عن الزجاج، ولم يتعرض لقول
النسخ أصلاً.
9 الآية (84) من سورة مريم.
(2/508)
زعم بعض
المفسرين: أنها منسوخة بآية السيف1. وهذا ليس بصحيح، لأنه إن كان
المعنى: لا تعجل بطلب عذابهم الذي (يكون)2 في الآخرة فإن المعنى أن
أعمارهم (سريعة)3 الفناء، فلا وجه للنسخ. وإن كان المعنى: ولا تعجل
بطلب قتالهم، فإن هذه السورة نزلت بمكة ولم يؤمر حينئذ بالقتال فنهيه
عن الاستعجال بطلب القتال، واقع في موضعه، ثم أمره بقتالهم بعد الهجرة
لا ينافي النهي عن طلب القتال بمكة فكيف يتوجه النسخ. فسبحان من قدر
وجود قوم جهال يتلاعبون بالكلام في القرآن، ويدعون نسخ ما ليس بمنسوخ،
وكل ذلك من سوء الفهم، نعوذ بالله منه4.
__________
1 ذكره ابن حزم وابن سلامة في المصدرين السابقين.
2 في (هـ): كون، وهو تحريف.
3 في (هـ): شريعة، وهو تحريف.
4 لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ هنا وقد ذكره في
زاد المسير5/262، ثم رده بقوله: (وهذا ليس بصحيح). وأما أبو جعفر
النحاس فأعرض عن ذكر دعوى النسخ في الآيات الخمسة المذكورة هنا، كما
أعرض عن الأربعة منها مكي بن أبي طالب. إنما ذكر في واحدة منها كما
قدمنا آنفاً ثم رد على ذلك.
(2/509)
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
طه .
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} 1.
قال جماعة من المفسرين، معناها: فاصبر على ما (تسمع)2 من أذاهم، ثم
نسخت بآية السيف3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ
فَتَرَبَّصُوا} 4.
قالوا: هي منسوخة بآية السيف5. وقد ذكروا في سورة الأنبياء ما لا يحسن
ذكره مما ادعوا فيه النسخ فأضربنا عنه.
__________
1 الآية (130) من سورة طه.
2 في (هـ): سمع.
3 قلت: عبارة المؤلف في مختصر عمدة الراسخ كعبارته هنا، حيث نسب قول
النسخ إلى جماعة بدون تعليق، إلا أنه فسر الآية في زاد المسير 5/333،
بما يؤيد النسخ، وقال: (ثم حكم فيهم بالقتل، ونسخ آية السيف). ونحن لا
نجد دليلاً صحيحاً يثبت النسخ هنا، بل يشير كلام المؤلف في آيتي النحل:
وهما: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ،
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} أن أمثال هذه الآية لا
يقول بنسخها. والله أعلم.
4 الآية (135) من سورة طه.
5 قلت: ذكر النسخ هنا هبة الله في ناسخه (64) أما المؤلف فأسلوبه، في
مختصر عمدة الراسخ كأسلوبه هنا حيث لم يبد رأياً فيه، إنما نقل قول
النسخ في زاد المسير، فقال: (وليس بشيء) ولم يتعرض لقول النسخ في هذين
الآيتين الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب.
(2/510)
باب: ذكر
الآيات التي ادعي عليهن النسخ في سورة الحج.
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} 1.
اختلفوا في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنها نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف2.
والثاني: أنها نزلت في حق المنافقين كانت تظهر منهم فلتات ثم يجادلون
عليها فأمر أن يكل أمورهم إلى الله تعالى، فالآية على هذا محكمة3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
جِهَادِهِ} 4 فيها قولان:
أحدهما: أنها منسوخة، لأن فعل ما فيه وفاء لحق الله لا يتصور من أحد،
واختلف هؤلاء في ناسخها على قولين:
__________
1 الآية (68) من سورة الحجّ.
2 ذكره هبة الله في ناسخه ص: 66.
3 في النسختين غير واضحة قومتها حسبما وجدت في تفسير المؤلف ومختصر
عمدة الراسخ، لم يتعرض الطبري وابن كثير للنسخ في هذه الآية بل فسراها
بما يؤيد الإحكام. انظر: جامع البيان 17؛ وتفسير القرآن العظيم 3/34.
4 الآية (78) من سورة الحجّ.
(2/511)
أحدهما:
أنه قوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} 1،
والثاني: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 2.
والقول الثاني : أنها محكمة، لأن حق الجهاد الجد في المجاهدة، وبذل
الإمكان مع صحة القصد. فعلى هذا هي محكمة ويوضحه أن الله تعالى لم يؤمر
بما لا يتصور، فبان أن قوله: {مَا اسْتَطَعْتُمْ} تفسير لحق الجهاد فلا
يصح نسخ، كما بينا في قوله تعالى في آل عمران: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ} 3.
__________
1 الآية (286) من سورة البقرة.
2 الآية (16) من سورة التغابن.
3 الآية (102) من آل عمران.
في (م): اتق بالإفراد وهو خطأ من الناسخ.
قلت: مال المؤلف إلى إحكام الآية في زاد المسير5/459،ومختصر عمدة
الراسخ الورقة العاشرة، وهو اختيار النحاس ومكي به أبي طالب. انظر:
الناسخ والمنسوخ (192)؛ والإيضاح (310).
(2/512)
باب: ذكر
الآيات (التي) ادعي عليهن النسخ في سورة
المؤمنون
...
باب: ذكر الآيات (التي)1 ادعي عليهن النسخ في سورة المؤمنون2
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى
حِينٍ} 3 أي: في (عمايتهم)4 وحيرتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من
العذاب، واختلفوا هل هذه منسوخة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة بآية السيف لأنها اقتضت ترك الكفار على ما هم
عليه5.
والثاني: أن معناها الوعيد والتهديد، فهي محكمة6.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
السَّيِّئَةَ} 7.
__________
1 في (هـ): اللواتي.
2 في (هـ): المؤمنين.
3 الآية (54) من سورة المؤمنون.
4 وقد ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير5/479 عن الزجاج.
5 ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 349، وابن سلامة في ناسخه ص: 67.
6 ذكر المؤلف في زاد المسير5/479، وفي مختصر عمدة الراسخ الورقة
العاشرة، نفس ما ذكره هنا. كما فسر الطبري وابن كثير الآية بما يؤيد
إحكامها. انظر: جامع البيان 18/24؛ وتفسير القرآن العظيم 3/247.
7 الآية (96) من سورة المؤمنون.
(2/513)
للمفسرين
في معنا هذا أربعة أقوال:
أحدها: ادفع إساءة المسيء (بالصفح) قاله الحسن1.
والثاني: ادفع الفحش بالإسلام، قاله عطاء والضحاك2.
والثالث: ادفع الشرك بالتوحيد قاله بن السائب.
والرابع: ادفع المنكر بالموعظة، حكاه الماوردي، وقد ذكر بعض المفسرين
أن هذه الآية منسوخة3. وقال بعض المحققين من العلماء: لا حاجة بنا إلى
القول بالنسخ؛ لأن المداراة محمودة ما لم تضر بالدين، ولم تؤد إلى
إبطال حق وإثبات باطل4.
__________
1 ذكر السيوطي في الدر المنثور5/14، عن عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن
المنذر عن مجاهد، في قوله {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
السَّيِّئَةَ} أعرض عن أذاهم إياك.
2 ذكره السيوطي في المصدر السابق وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر،
وابن أبي حاتم عن عطاء.
3 ذكر المؤلف في زاد المسير 5/488-489، هذه الآراء الأربعة عمن ذكرهم
هنا. كما ذكر النسخ ابن حزم في ناسخه ص: 349 وابن سلامة في ناسخه (67).
4 قلت: أورد المؤلف قول النسخ في المصدر السابق عن بعضهم، ولم يرجح،
وأورده في مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة عن البعض ثم رده بمثل ما
رد به هنا. ولم يتعرض له النحاس ولا مكي بن أبي طالب.
(2/514)
باب: ذكر
الآيات (التي) ادعي عليهن النسخ في سورة
النور
...
باب: ذكر الآيات (التي)1 ادعي عليهن النسخ في سورة النور
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زَانِيَةً
أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ
مُشْرِكٌ} 2.
قال عكرمة هذه الآية في بغايا كن بمكة أصحاب رايات وكان لا يدخل عليهن
إلا زان من أهل القبلة أو مشرك، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن فنزلت
هذه الآية3. قال ابن جرير فعلى هذا يكون المعنى: الزاني من المسلمين لا
يتزوج امرأة من أولئك البغايا إلا زانية أو مشركة؛ لأنهن كذلك،
والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان أو مشرك4.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: بنا
ابن بشران، قال: أبنا إسحاق ابن أحمد، قالت: بنا عبد الله بن أحمد،
__________
1 في (هـ): اللواتي.
2 الآية الثالثة من سورة النوز.
3 ذكر نحو هذا المعنى الطبري في تفسيره18/55، عن ابن عباس، ومجاهد،
وقتادة، وغيرهم، كما ذكره المؤلف في زاد المسير6/9 عن عكرمة، وفيه: (كن
بمكة ومنهن تسع صاحب رايات وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير).
4 تجد في تفسير الآية الثالثة من سورة النور في جامع البيان 48/50-57
نص كلام الطبري والآثار المروية في ذلك.
(2/515)
قال:
حدثني أبي، قال: بنا هشيم، وأبنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال:
أبنا ابن شاذان، قال بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني،
قال: بنا وهب بن بقية عن هشيم، قال: أبنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيب في قوله: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ
مُشْرِكٌ} قال نسختها الآية التي بعدها: {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى
مِنْكُمْ} 1.
قال الشافعي: القول كما قال ابن المسيب إن شاء الله2.
__________
1 الآية (32) من سورة النور. والأثر رواه الطبري بأسانيد صحيحة عن سعيد
بن المسيب في المصدر نفسه.
2 قال الإمام الشافعي رحمه الله بعد أن روى قول ابن المسيب بإسناده:
(فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله وعليه دلائل من القرآن والسنة).
قلت: المؤلف رحمه الله لم يبد رأيه في نسخ الآية - كما هنا -، في مختصر
عمدة الراسخ، ولم يتعرض في تفسيره لدعوى النسخ، وأما النحاس فيورد
أربعة أقوال في الآية:
الأول: أنها منسوخة، على رأي ابن المسيب رحمه الله.
والثاني: أنها محكمة ومعناها الوطأ، هذا على رأي ابن عباس، رضي الله
عنهما، وهو اختيار الطبري.
والثالث: الزاني المجلود في الزنا لا ينكح إلا مجلودة مثله، وهو مروي
عن أبي هريرة والحسن، ثم قال النحاس وهذا الحديث يجوز أن يكون منسوخاً.
والرابع: وهي الزانية التي تكتسب بزناها، وتنفق على زوجها، وهذا المعنى
مروي عن عبد الله بن عمرو، وهو قول مجاهد ثم قال النحاس: هذا الحديث من
أحسن ما روي في هذه الآية، فإذا صح جاز أن تكون الناسخة بعده والله
أعلم بحقيقة ذلك.
هكذا أورد مكي بن أبي طالب الآراء الأربعة عن أصحابها ولم يرجح راياً
دون آخر.
وأما الإمامان ابن جرير، وابن كثير، فقد فسرا بما يؤيد إحكام الآية،
وإليك نص ما ذكره ابن كثير بعد إيراد هذه الآية: (هذا خبر من الله
تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده
من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا
ينكحها إلا زان، أي: عاص أو مشرك لا يعتقد تحريمه) ثم يروي نحو هذا
المعنى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس رضي الله عنهما، ويقول: هذا إسناد صحيح عنه، وقد روى عنه من
غير وجه، كما روى عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير،
والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك.
ويقول ابن كثير أيضاً: (ومن هنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى
أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على امرأة البغي ما دامت كذلك حتى
تستتاب، فإن تابت، صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة
الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى:
{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} انتهى. وقد ذكر هذا القول
المؤلف في زاد المسير، وقال: (وهو مذهب أصحابنا).
وقد ناقش أستاذنا الدكتور مصطفى زيد هذه الآية مناقشة جدية في كتابه
النسخ في القرآن الكريم، فيقول في نهاية المناقشة: (إن علاقة الآيتين
الناسخ والمنسوخ هنا من نوع علاقة الخاص الإضافي بالعام، تخصيص عمومه
ولا تنسخ به وقد أسلفنا أن الحنفية يسمون مثل هذا نسخاً، إن كان العمل
بالعام فيه ممكناً قبل نزول الخاص، فإن الخاص حينئذ، يعتبر ناسخاً
للعام بمعنى أنه رفع الحكم، عن أفراد كان العام يشملهم قبل أن ينزل
الخاص، أما إذا لم يكن العمل بالعام ممكناً قبل نزول الخاص فلا خلاف
بين الأئمة في أن نزول الخاص بعده مخصص له، لا ناسخ).
انظر في ذلك كله: كتاب الأم للإمام الشافعي5/10؛ وأحكام القرآن
له1/178؛ والسنن الكبرى للبيهقي7/154؛ وزاد المسير6/9؛ ومختصر عمدة
الراسخ المخطوط ورقة (10)؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 193- 194؛
والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 312-313؛ وتفسير جامع
البيان18/55-57؛ وتفسير القرآن العظيم 3/262؛ والنسخ في القرآن الكريم
الجزء الثاني، فقرة 1185-1196.
(2/516)
ذكر الآية
الثانية: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} 1.
زعم من لا فهم له، من ناقلي التفسير، أنها نسخت (بالاستثناء)2 بعدها،
وهو قوله تعالى {إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا} 3 وقد بينا في مواضع أن
الاستثناء لا يكون ناسخاً4.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الآية5.
ذهب بعض المفسرين إلى أنه نسخ من حكم هذا النهي العام حكم البيوت التي
ليس لها أهل يستأذنون، بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ
تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} 6.
__________
1 الآية الرابعة من سورة النور.
2 في (هـ): استثنى، وهو خطأ إملائي.
3 الآية الخامسة من سورة النور.
4 ذكر مكي بن أبي طالب: دعوى النسخ هنا عن أبي عبيدة وغيره، لأنها
أوجبت ترك قبول شهادة القاذف على الأبد، ثم نسخه بقوله: {إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا} ثم قال مكي: (وهذا عند جميع العلماء ليس بنسخ إنما
هو استثناء بحرف الاستثناء، ولو وجب هذا لكان كل استثناء ناسخاً
للمستثنى منه وهذا لا يقوله أحد) انتهى من الإيضاح ص: 317. وأما المؤلف
فلم يذكر النسخ في مختصر عمدة الراسخ وإنما نقل ذلك بمعنى الاستثناء في
تفسيره عن جماعة ثم رجح قول من قال: بأن الاستثناء يعود إلى جميع
الآية، فإذا تاب القاذف ارتفع الفسق فتقبل شهادته، وهو قول الجمهور.
انظر: زاد المسير 6/12.
5 الآية (27) من سورة النور.
6 الآية (29) من سورة النور.
(2/518)
أخبرنا
المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم
بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل قال: أبنا أبو بكر بن أبي
داود، قال: أبنا محمد بن قهزاذ، قال: بنا علي بن الحسين بن واقد قال:
حدثني أبي عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:1
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} الآية ثم نسخ واستثنى من ذلك:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ
مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} (وهذا)2 مروي عن الحسن، وعكرمة،
والضحاك3، (وليس هذا نسخ)4 إنما هو تخصيص5.
والثاني: أن الآيتين محكمتان (فالاستئذان)6 شرط في الأولى، إذا كان
للدار أهل، و (الثانية)7 وردت في بيوت لا ساكن لها
__________
1 في (م): (وقال) زيادة، ولعلها من الناسخ.
2 في (هـ): ولهذا، وهو خطأ.
3 أخرج الطبري والنحاس هذا القول عن ابن عباس بسند ضعيف، كما ذكره
النحاس عن عكرمة والحسن، وذكره مكي بن أبي طالب عن ابن عباس بدون
إسناد، ثم قال النحاس ومكي: إن الآيتين محكمتان عند أكثر أهل التأويل.
انظر: جامع البيان15/87؛ والناسخ والمنسوخ ص: 195؛ والإيضاح ص: 316.
4 في (م): وليس ولهذا نسخ، وهو تحريف.
5 ذكر ذلك المؤلف في مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة.
6 في (هـ): قال استيذ، وهو تحريف.
7 في (م): والثاني بالتذكير، وهو خطأ.
(2/519)
(والإذن)1
لا يتصور من غير آذن، فإذا بطل الاستئذان لم يكن البيوت الخالية داخلة
في الأولى، وهذا أصح2.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا} 3 .
قال ابن مسعود رضي الله عنه هو الرداء4. وقد زعم قوم: أن هذا نسخ،
بقوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ
نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُن}
5.أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا
البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود،
قال: بنا محمد بن قهزاذ قال: بنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني
أبي عن يزيد النحوي عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما {وَقُلْ
لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} إلى قوله: {لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ} 6 نسخ ذلك
__________
1 في (م): الآن، وهو تحريف.
2 أورد المؤلف من القول الثاني إلى قوله: وهذا أصح، بنصها في زاد
المسير 6/29، بعد أن عزا قول النسخ إلى الحسن وعكرمة.
3 الآية (31) من سورة النور.
4 في (هـ) الرد، وهو خطأ.
وقد ذكر الإمام الطبري هذا المعنى عن ابن مسعود بطرق عديدة في جامع
البيان5/18، 92.
5 الآية (60) من سورة النور.
6 الآية (31) من سورة النور.
(2/520)
واستثنى
من قوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ
نِكَاحاً} 1 وكذلك قال الضحاك2 وهذا ليس بصحيح، لأن الآية الأولى فيمن
يخاف (الافتتان)3 بها وهذه الآية في العجائز، فلا نسخ4.
ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} 5.
زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف6 وليس هذا صحيحاً، فإن الأمر
بقتالهم لا ينافي أن يكون عليه ما حمل، وعليهم ما حملوا، ومتى لم يقع
التنافي بين الناسخ والمنسوخ لم يكن ] نسخ[7.
__________
1 الآية (60) من سورة النور.
2 أورد هذا القول مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 318- 319، عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
3 في (هـ): الإفسار بها، وهو تحريف.
4 قلت: لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد المسير ولا في
مختصر عمدة الراسخ، وقد أورده ابن حزم في ناسخه (351) وابن سلامة في
ناسخه (70) بدون أن يستندا إلى أي دليل كعادتهما، وأما مكي بن أبي طالب
فيقول بعد عزو قول النسخ إلى ابن عباس: (وقد يكون قوله تعالى: { وَلا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} مخصوصاً في غير القواعد، وتكون آية القواعد
خصصتها، وبينت أنها في غير القواعد من النساء ودليل ذلك أن حكم الأولى
لم يزل بكليته إنما زال بعضه، وأكثر النسخ وبابه، وأصله إنما هو بزوال
الحكم وحلول الثاني محله، وباب التخصيص معناه: زوال بعض حكم الأول،
وبقاء ما بقي على حكمه، فهذا بالتخصيص أشبه منه بالنسخ) انتهى من
الإيضاح (319).
5 الآية (54) من سورة النور.
6 ذكر النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: 351، وابن سلامة في ناسخه (70)،
وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (30).
7 ما بين الخطين المزدوجين غير موجودة قي النسختين، أضفتها نظراً
للسياق.
قلت: أورد المؤلف قول النسخ في تفسيره6/56 وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة
(10) ثم رد ذلك.
(2/521)
ذكر الآية
السادسة:قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ} 1.
اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أنها محكمة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: (بنا)2 عفان، قال: بنا أبو عوانة، قال: بنا أبو بشر،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: هذه الآية مما
تهاون الناس به {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}
وما نسخت قط3.
قال أحمد: وبنا وكيع عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي
{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: ليست
منسوخة، وهذا قول القاسم بن محمد، وجابر بن زيد4.
(فقد)5 أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر، قال: أبنا ابن بشران،
قال: أبنا إسحاق بن أحمد قال: بنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي،
قال: بنا هشيم، قال: بنا شعبة عن داود بن أبي هند، عن ابن
__________
1 الآية (58) من سورة النور.
2 في (هـ) بن، وهو تحريف.
3 أخرج الطبري نحوه عن سعيد بن جبير في جامع البيان 17/125.
4 أخرجه الطبري في المصدر السابق عن الشعبي، كما ذكره النحاس في ناسخه
(198) عنه وعن القاسم بن محمد وجابر بن زيد، وذكره ابن العربي في أحكام
القرآن 3/1396، وعزاه إلى ابن عمر رضي الله عنهما.
5 في (هـ): وقال.
(2/522)
المسيب،
قال: هذه الآية منسوخة1. وقد روي عنه أنه قال: هي منسوخة بقوله2:
{وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} 3
وهذا ليس بشيء، لأن معنى الآية: {وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ}
أي: من الأحرار (الحلم)4 فليستأذنوا، أي: في جميع الأوقات في الدخول
عليكم {كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني: كما استأذن
الأحرار الكبار الذين بلغوا قبلهم، فالبالغ يستأذن في كل وقت، والطفل
والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث5.
__________
1 ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ (197) ومكي بن أبي طالب في الإيضاح
(319) عن سعيد بن المسيب، ولم يذكرا عنه ما نسخها.
2 في (هـ): تعالى.
3 الآية (59) من سورة النور.
4 في (هـ): الحكم، وهو تحريف.
5 قلت: لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ أصلاً، وقد
عرض الآراء، ورجح الإحكام في زاد المسير 6/62، فأما النحاس فيروي عن
عكرمة أن رجالاً من أهل العراق سألوا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية
من كتاب الله عزوجل قوله تعالى. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} لا يعمل بها
أحد؟
قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم،
وكان القوم ليس لهم مستور ولا جمال، فربما دخل الخادم أو الولد أو
اليتيمة وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله بالاستئذان في هذه الحالات
الثلاث…) وقال في رواية أخرى، عن عكرمة عن ابن عباس رصي الله عنهما:
(ثم جاء بالستر وبسط الرزق، فاتخذ الناس الستور والجمال فرأى الناس ذلك
قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به). قال النحاس عن هذا القول: (إنه
مشبه حسن، وليس فيه دليل على نسخ الآية ولكن على أنها كانت على حال ثم
زالت فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان) انتهى من الناسخ
والمنسوخ (198) ويقول مكي بن أبي طالب في الإيضاح (320) : "وأكثر
العلماء على أن الآية محكمة، وحكمها باق والاستئذان في هذه الأوقات
واجب".
(2/523)
ذكر الآية
السابعة: قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى
الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} 1.
هذه الآية كلها محكمة، والحرج المرفوع عن أهل الضر مختلف فيه، فمن
المفسرين من يقول: المعنى: ليس عليكم في مواكلتكم حرج، لأن القوم
تحرجوا (وقالوا)2: الأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا
يستوفي الطعام، فكيف نواكلهم3 وبعضهم يقول: بل كانوا يضعون مفاتحهم إذا
غزوا عند أهل (الضر)4 ويأمرونهم أن يأكلوا فيتورع أولئك عن الأكل فنزلت
هذه الآية5.
__________
1 الآية (61) من سورة النور.
2 في (هـ): وقال، بالإفراد. وهو خطأ.
3 أخرجه الطبري، في جامع البيان 18/129 وذكره الواحدي في أسباب النزول
ص: 223 بدون إسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكر نحوه السيوطي في
الدر المنثور5/58 ونسبه إلى ابن أبي حاتم، عن سعيد به جبير.
4 في (هـ): ضرر، وهو تحريف.
5 ذكر نحوه النحاس في ناسخه عن سعيد بن المسيب، وعن عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة، كما ذكر الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير نحوه. انظر.
الناسخ والمنسوخ ص: 201؛ وأسباب النزول (223).
(2/524)
وأما
البيوت المذكورة فيباح للإنسان الأكل منها لجريان العادة ببذل أهلها
الطعام لأهلهم، وكل ذلك محكم، وقد زعم بعضهم: أنها منسوخة بقوله: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ} 1 وليس هذا بقول فقيه2.
__________
1 الآية (69) من سورة النساء وقد ذكر دعوى النسخ النحاس عن ابن زيد ولم
يعين الناسخ، كما ذكره مكي بن أبي طالب عنه، وقال: {وَلا عَلَى
أَنْفُسِكُمْ} الآية منسوخة بقوله: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 199؛ والإيضاح
لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 321.
2 لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هده الآية، في زاد المسير ولا في
مختصر عمدة الراسخ أصلاً. وقال مكي بن أبي طالب في نهاية مناقشة هذه
الآية في المصدر السابق: (وقال أكثر أهل التأويل الآية محكمة، وذلك
أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وضعوا
مفاتحهم عند أهل العلة والزمانة المتخلفين عن الجهاد لعذرهم وعند
أقربائهم، وكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى
ذلك فكان المتخلفون يتقون أن يأكلوا مما في بيوت الغير، ويقولون نخشى
أن لا تكون أنفسهم طيبة، فأنزل الله تعالى ذكره، هذه الآية تحل لهم
ذلك، وهذا التفسير مروي عن عائشة رضي الله عنها، وقاله ابن المسيب
أيضاً) انتهى من الإيضاح الصفحات السابقة.
(2/525)
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
الفرقان.
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}
1 .
زعم الكلبي2 أنه منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح، لأن المعنى: أفأنت
تكون حفيظاً عليه تحفظه من اتباع هواه؛ فليس للنسخ وجه3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلاماً} 4.
قال الحسن في تفسيرها: "لا يجهلون على أحد وإن جهل عليهم حلموا"5. وهذه
الآية محكمة عند الجمهور.
__________
1 الآية (43) من سورة الفرقان.
2 أما الكلبي، فهو: محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو النضر الكوفي
المفسر، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، من السادسة. انظر: التقريب (298).
3 قلت: أعرضت معظم كتب النسخ والتفسير عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية،
وقد أورد كلام الكلبي، المؤلف في زاد المسير6/92 بدون تعليق! ورده في
مختصر عمدة الراسخ ورقة (10) بمثل ما رد به هنا. وفسره الطبري بما يؤيد
إحكامه في: 19/21 من جامع البيان.
4 الآية (63) من سورة الفرقان.
5 ذكر الطبري هذا المعنى عن الحسن ومجاهد، في تفسيره لهذه الآية 19/22.
وذكره المؤلف عن الحسن في زاد المسير 6/101، وقال: عن مقاتل بن حيان
"(قالوا سلاماً) أي: قولاً يسلمون فيه من الإثم.
(2/527)
وقد زعم
قوم: أن المراد بها أنهم يقولون للكفار، ليس بيننا وبينكم غير السلام،
وليس المراد السلام الذي هو التحية، وإنما المراد بالسلام التسلّم، أي:
تسلماً منكم ومتاركة لكم، كما يقول: براءة (منك)1 أي: لا ألتبس بشيء من
أمرك ثم نسخت بآية السيف.
وهذا باطل، لأن اسم الجاهل يعم المشرك وغيره، فإذا خاطبهم مشرك، قالوا:
السداد والصواب في الرد عليه. وحسن (المحاورة)2 في الخطاب لا ينافي
القتال. فلا وجه للنسخ3.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ} - إلى قوله - {إِلاّ مَنْ تَابَ} 4.
للعلماء فيها قولان:
أحدهما: أنها منسوخة، ولهؤلاء في ناسخها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه قوله {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} 5، قاله ابن
عباس رضي الله عنهما6 والأكثرون على خلافه في أن القتل لا
__________
1 في (هـ): منكم.
2 في (هـ): مجاورة، بالجيم، فهو تصحيف.
وقد أحرج الطبري نحو هذا المعنى عن الحسن في جامع البيان 19/22.
3 ذكر النحاس في ناسخه ص: 202-203 ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 324،
والمؤلف في زاد المسير 6/101، دعوى النسخ في هذه الآية دون أن يبدوا
آرائهم فيه. ولم يتعرض له المؤلف في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.
4 الآية (68-70) من سورة الفرقان.
5 الآية (93) من سورة النساء.
6 ذكره الطبري والنحاس بإسنادهما عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر:
جامع البيان19/28؛ والناسخ والمنسوخ (11).
(2/528)
يوجب
الخلود. وقال أبو جعفر النحاس، من قال: إن قوله: {وَلا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ} الآيات نسخها قوله {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً
مُتَعَمِّداً} فمعناه نزل بنسختها1. والآيتان واحد، لأن هذا لا يقع فيه
ناسخ ولا منسوخ، لأنه خبر.
والثاني: قوله {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} 2.
الآية (وهذا لا يصح، لأن الشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه)3.
والثالث: أنه نسخت بالاستثناء في قوله: {إِلاّ مَنْ تَابَ} وهذا باطل،
لأن الاستثناء ليس بنسخ.
والقول الثاني: أنها محكمة، والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل
والزنا4.
__________
1 ذكر النحاس هذا القول عن بعض العلماء مثبتاً إحكام الآية بوجهة نظره.
انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 112، وراجع أيضاً مناقشة آية (93) من سورة
النساء مما سبق.
2 الآية (48) من سورة النساء.
3 العبارة قلقة في (هـ) وقد جاء فيها: (لأن الشرك لا يغفر أن يشرك
الآية وهذا لا يصح) ولعله من الناسخ.
4 ناقش المؤلف واقعة النسخ في هذه الآية في زاد المسير6/106، نحو ما
ناقشها هنا عرضاً وترجيحاً، ولم يتعرض لها في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.
(2/529)
|