|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الشعراء - النمل - القصص - العنكبوت -
الروم - لقمان - الأحزاب - سبأ - فاطر - الصافات
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الشعراء.
قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} 1.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قل: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد،
قال: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس
رضي الله عنهما {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} فنسخ من
ذلك، واستثنى، فقال: {إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً} 2.
قلت: وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ، ولا يعول على هذا، وإنما هذه
الألفاظ من تغيير (الرواة)3 وإلا فقد أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا
أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال:
أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو
صالح،
__________
1 الآية (124) من سورة الشعراء.
2 الآية (127) من السورة نفسها.
والأثر أخرج الطبري نحوه عن عكرمة من طريق الحسين بن واقد، سبق أن قلنا
مراراً إن علي بن الحسين قد تكلم فيه النقاد، ونرى المؤلف هنا يرفض هذه
الرواية وقد جاء عند النحاس هذا المعنى عن ابن عباس من طريق جويبر، وهو
أيضاً ضعيف جداً كما قال الحافظ في التقريب (58). انظر: جامع البيان
19/19؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 203.
3 في (هـ): الروايات، وهو تحريف.
(2/530)
قال:
حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أيي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} ثم استثنى المؤمنين فقال:
{إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فهذا هو اللفظ
الصحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن هذا هو (استثناء)1 لا نسخ
وإنما الرواة تنقل، بما (تظنه)2 المعنى فيخطئون3.
__________
1 في (م): استثنى، وهو خطأ إملائي.
2 في (هـ): (مطه)، وهو تحريف ظاهر.
3 أخرجه الطبري والنحاس عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق علي بن أبي
طلحة، ثم قال النحاس: (وهذا أحسن ما قيل في الآية) وهو اختيار الطبري
ومكي بن أبي طالب أيضاً، يقول بعد عزو دعوى النسخ إلى ابن عباس: (إنما
هو استثناء وقد ورد ذلك كثير في القرآن عن ابن عباس فيها حرف
الاستثناء، وهو يقول: إنه نسخ وهو لفظ مجاز لا حقيقة) ولم يتعرض المؤلف
لدعوى النسخ في هذه الآية لا تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ. انظر:
جامع البيان19/79؛ والناسخ والمنسوخ ص: 204؛ والإيضاح ص: 326-327.
(2/531)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة النمل
قوله تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} 1.
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا منسوخ بآية
السيف. وكذلك قال قتادة، وقد تكلمنا على جنس هذا وبينا أن الصحيح أنه
ليس بمنسوخ2.
__________
1 الآية (92) من سورة النمل.
ودعوى النسخ في عجزها، هو قوله: {وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا
مِنَ الْمُنْذِرِينَ} صرح بذلك المؤلف في زاد المسير6/198؛ ولم يرجح،
وأما في مختصر عمدة الراسخ ورقة (10) فذكر قول النسخ واختار الإحكام.
2 انظر مناقشة الوقائع المشابهة لها مما سبق مثلاً الآية (12) من سورة
هود، و(89) من سورة الحجر.
(2/532)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة القصص
قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا
لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا
نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} 1.
اختلف المفسرون في المراد باللغو هاهنا، فقال: مجاهد: هو الأذى والسب2،
وقال الضحاك: الشرك3. فعلى هذا يمكن (ادعاء)4 النسخ5. وقوله: {لَنَا
أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} قال المفسرون لنا حلمنا ولكم
سفهكم، وقال بعضهم: لنا ديننا ولكم دينكم،وقوله: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ}
قال الزجاج: لم يريدوا التحية، وإنما أرادوا بيننا وبينكم (المتاركة)6
(وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال)7 وقوله: {لا نَبْتَغِي
الْجَاهِلِينَ} أي:
__________
1 الآية (55) من سورة القصص.
2 ذكر الطبري هذا المعنى بإسناده عن مجاهد، وذكره المؤلف في زاد المسير
عنه، بدود إسناد. انظر: جامع البيان20/58؛ وزاد المسير6/230.
3 ذكره المؤلف عن الضحاك في المصدر نفسه.
4 في (م): أدعى، وهو خطأ إملائي.
5 لم أجد من ذكر النسخ في هذا الجزء من الآية، بل صرح هبة الله الذي
يسرف في القول بالنسخ بأن هذا القول محكم، والمنسوخ ما بعده. انظر.
الناسخ والمنسوخ له ص: 73.
6 في (م) أ: المباركة، وفي (هـ): التاركة، كلاهما تحريف، والصواب ما
أثبت عن زاد المسير 6/230.
7 في (هـ): (وقال: هذا قبل أن يؤمر بالقتال).
(2/533)
لا نطلب
(مجاورتهم)1 قال الأكثرون: فنسخت هذه الآية، بآية السيف2.
__________
1 في (م): مجاوزتهم، وفي (هـ): محادرتهم، كلاهما تحريف والصواب ما سجلت
من المصدر السابق.
2 أورد المؤلف هذه القضية بنصها في زاد المسير 6/230، وأوردها
بالاختصار في مختصر عمدة الراسخ بدون ترجيح.
قلت: نحن لو رجعنا إلى كلام المؤلف في سورة البقرة عند قوله تعالى: {
لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } البقرة (139) حيث يورد
أربعة أوجه لإثبات إحكام الآية نجد أن وجهين منها تنطبقان على هذه
الآية أيضاً، وهما: أن الآية خبر خارج مخرج الوعيد والتهديد، وأن
المنسوخ ما لا يبقى له حكم، وحكم هذا الكلام لا يتغير فإن كل عامل له
جزاء عمله فلو ورد الأمر بقتالهم لم يبطل تعلق أعمالهم بهم. راجع
مناقشة الآية المذكورة، وراجع أيضاً مناقشة الآية (15) من الشورى من
هذا الكتاب حيث أثبت هناك إحكام ما تشبه هذه الآية.
وأما قوله: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ} فقد سبق آنفاً رد المؤلف في آية
الفرقان على فرض أن المراد بالجاهلين، هم المشركون، فمعناه: قالوا:
السداد والصواب في الرد عليه. وحسن المحاورة في الخطاب لا ينفي القتال
فلا وجه للنسخ. انظر: مما سبق مناقشة الآية (43) من سورة الفرقان.
ويؤيد ذلك قول مكي بن أبي طالب في الآية حيث قال: ذكر بعض العلماء أن
الآية منسوخة بالنهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن السلام على
الكفار، وقيل: هي منسوخة بالقتال. والذي عليه أهل النظر - وهو الصواب -
أنها محكمة غير منسوخة، ومعنى: السلام فيها: المتاركة والمداراة من
الكفار، وليس سلام التحية المحظور، بقوله: {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ
اتَّبَعَ الْهُدَى} طه (47).
ويقول عن قوله: {لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} قال مجاهد: لا نطلب عمل
الجاهلين، فهي محكمة. انظر: كلام مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 328.
(2/534)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة العنكبوت
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 1.
اختلفوا فيها على قولين:
أحدهما: أنها نسخت بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ} إلى قوله {وَهُمْ صَاغِرُونَ} 2 قاله قتادة وابن السائب.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: بنا
أبي، وأبنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا
البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود،
قال: بنا أحمد بن يحيى بن مالك، قال: بنا عبد الوهاب عن سعيد، وابنا
ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر
النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال:
بنا أبو رجاء عن همام كلاهما عن قتادة، {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ} ثم نسخ بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} فلا مجادلة أشد من السيف3.
__________
1 الآية (46) من سورة العنكبوت.
2 الآية (29) من سورة التوبة.
3 الأثر أخرج الطبري والنحاس بإسنادهما عن قتادة نحوه. انظر: جامع
البيان21/3؛ والناسخ والمنسوخ (205).
(2/535)
والقول
الثاني: أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب جماعة منهم ابن زيد1.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا
قيس عن حصين عن مجاهد {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: من أدى منهم الجزية فلا تقل له إلا
حسناً2.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وإنما أنا نذير مبين}3 .
__________
1 ذكره الطبري بإسناد عن ابن زيد كما ذكره النحاس ومكي بن أبي طالب
عنه. انظر: جامع البيان21/3؛ والناسخ والمنسوخ ص: 205؛ والإيضاح لناسخ
القران ومنسوخه ص: 330.
2 أخرجه النحاس عن مجاهد في المصدر السابق، ثم قال: (قول مجاهد أحسن.
لأن أحكام الله لا ينبغي أن يقال: إنها منسوخة إلا لدليل يقطع العذر أو
حجة من معقول) وقد ذكر مكي بن أبي طالب أيضاً قول الإحكام عن مجاهد في
المصدر السابق، وهو اختيار ابن جرير الطبري ويقول في المصدر السابق:
"لا معنى لقول من قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال، وزعم أنها
منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من نظرة
عقل".
أما المؤلف، رحمه الله، فقد أورد الرأيين في مختصر عمدة الراسخ بدون
ترجيح، وذكر النسخ في تفسيره عن قتادة والكلبي، كما ذكر الإحكام عن ابن
زيد. انظر: مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة؛ وزاد المسير 276-277.
3 الآية (50) من سورة العنكبوت.
(2/536)
زعم بعضهم
أنه منسوخ بآية السيف، وهذا لو كان في قوله وما {أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ}
احتمل، فأما هاهنا فلا. لأن هذه الآية أثبتت أنه نذير، وهو نذير، ويؤيد
إحكامها، أنها خبر1.
__________
1 قلت: لم يتعرض الطبري ولا النحاس ولا مكي بن أبي طالب ولا ابن كثير
لدعوى النسخ في هذه الآية، بل فسر الطبري وابن كثير الآية بما يؤيد
إحكامها، وأما المؤلف فقد ذكر النسخ عن البعض في تفسيره ولم يذكره في
مختصر عمدة الراسخ، إنما أثبت إحكام مثل هذه الآية أيضاً في سورة فاطر
الآية (23). انظر: جامع البيان 21/6؛ وتفسير القرآن العظيم3/418؛ وزاد
المسير 6/275.
(2/537)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الروم
قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} 1 .
زعم السدي: أنها نسخت بآية السيف، وهذا إنما يصح له أن لو كان الأمر
بالصبر عن قتالهم فأما إذا احتمل أن يكون صبراً على ما أمر به أو عما
نهى عنه لم يتصور نسخ2.
__________
1 الآية (60) من سورة الروم. وفي (هـ): فاصبروا، بالجمع وهو خطأ من
الناسخ.
2 ذكر النسخ هنا هبة الله في ناسخه (74) ولم يتعرض له النحاس ومكي بن
أبي طالب، ولا المؤلف في مختصر عمدة الراسخ، إنما ذكره في زاد
المسير6/313 عن بعض المفسرين.
(2/538)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة لقمان
قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} 1.
ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف، وقال بعضهم: نسخ معناها
لا لفظها بآية السيف2، وهذا ليس بشيء؛ لأنها إنما تضمنت التسلية له عن
الحزن، وذلك لا ينافي القتال3.
__________
1 الآية (23) من سورة لقمان.
2 ذكر النسخ هنا ابن حزم الأنصاري في ناسخه ص: 355 بآية السيف.
3 قلت: فسر الطبري وابن كثير هذه الآية بما يؤيد إحكامها ورد المؤلف في
تفسيره على دعوى النسخ فيها. انظر: جامع البيان 21/38؛ وتفسير القرآن
العظيم 3/440؛ وزاد المسير 6/325.
(2/539)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الأحزاب
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} 1.
قال المفسرون، معناه: لا تجازهم عليه وتوكل على الله في كفاية شرهم
قالوا ونسخت بآية السيف2.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا
فَمَتِّعُوهُنّ} 3.
__________
1 الآية (48) من سورة الأحزاب.
2 قلت: لم يشر إلى النسخ في هذه الآية الطبري وابن كثير والنحاس ومكي
بن أبي طالب، بل تفسير الطبري للآية يؤيد إحكامها حيث قال: {وَدَعْ
أَذَاهُمْ} يقول: (أعرض عن أذاهم لك واصبر عليه ولا يمنعك ذلك عن
القيام لأمر الله في عباده والنفوذ لما كلفك) واستدل على تأويله
بالآثار الواردة عن مجاهد وقتادة في هذا المعنى، ويقول عن قوله
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} : أي فوض إلى الله أمورك وثق به، فإنه
كافيك جميع من دونه حتى يأتيك أمره وقضاؤه {وَكَفَى بِاللَّهِ
وَكِيلاً} يقول: وحسبك بالله قيّماً، وحافظاً لك وكالئاً.
وأمّا المؤلف فقد ذكر النسخ عن العلماء، في تفسيره، وقال: في مختصر
عمدة الراسخ: (زعم جماعة من المفسرين أنها نسخت بآية السيف. انظر: جامع
البيان 22/15؛ وزاد المسير 6/400؛ ومختصر عمدة الراسخ الورقة (11).
3 الآية (49) من سورة الأحزاب.
(2/542)
اختلف
العلماء لمن هذه المتعة، فقال الأكثرون: هي لمن لم (يسم)1 لها مهراً
لقوله تعالى في البقرة: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} 2 وهل هي
مستحبة أو واجبة للعلماء فيها قولان:
]أحدهما: أنها واجبة للمطلقة التي لم يسم لها مهراً إذا طلقها قبل
الدخول[3 وعلى هذا الآية محكمة، وقال قوم المتعة واجبة لكل مطلقة بهذه
الآية ثم نسخت بقوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} 4.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل،
قال: بنا أبي، قال: بنا (محمد بن سواء)5.
__________
1 في (م) و(هـ): يسمى، وهو خطأ إملائي.
2 الآية (237) من سورة البقرة.
3 ما بين الخطين المزدوجين لم أجدها في النسختين وقد وجدتها في كتاب
المؤلف مختصر عمدة الراسخ ورقة (11) الذي سبق أن قلنا في المقدمة إنه
يغلب على ظني أن مختصر عمدة الراسخ، وهو مختصر لهذا الكتاب، والظاهر أن
هذه العبارة سقطت من النساخ، ولا يتضح المعنى المطلوب إلا بها، لذا
أضفتها إلى المتن.
4 من بداية الآية الثانية إلى هذا الحد ذكرها المؤلف بنصها في مختصر
عمدة الراسخ بالمصدر نفسه.
5 غير واضحة من (هـ) وفي (م): سوا، والصواب ما أثبت عن كتب التراجم.
وهو: محمد بن سواء بن عنبر السدوسي أبو الخطاب البصري وكان كفيفاً، وهو
صدوق من التاسعة مات سنة بضع وثمانين ومائتين. انظر: التهذيب 9/208؛
والتهذيب ص: 300.
(2/543)
قال: بنا
سعيد عن قتادة عن الحسن،وأبي العالية، في هذه الآية :{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنّ} قالا: ليست بمنسوخة لها نصف الصداق، ولها المتاع1.
قال أحمد: وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن ابن المسيب، قال: هي
منسوخة نسختها الآية التي في البقرة: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} 2 فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها3. قال
سعيد: وكان قتادة يأخذ بهذا.
قال أحمد: وبنا حسين عن شيبان عن قتادة {إِذَا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنّ} الآية قال: قال سعيد بن المسيب
ثم نسخ هذا الحرف4 المتعة {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ} 5.
__________
1 ذكر نحوه السيوطي معزياً إلى عبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية.
انظر: الدر المنثور5/207.
2 الآية (237) من سورة البقرة.
3 ذكره الطبري بإسناده عن سعيد بن المسيب في جامع البيان 22/15، وليس
فيه: (فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها).
وذكر نحوه السيوطي أيضاً في الدر المنثور 5/207 عن سعيد بن المسيب من
طريق عبد ابن حميد، وذكر المؤلف دعوى النسخ في زاد المسير 6/402 عن
سعيد بن المسيب وقتادة، ولم يرجح.
4 المراد بالحرف هنا الآية الناسخة وهي (237) من البقرة.
5 أخرجه الطبري بإسناده عن قتادة في المصدر السابق. وأورد دعوى النسخ
هنا مكي ابن أبي طالب بدون نسبته إلى أحد، ونصّ كلامه: (ويحتمل أن تكون
المطلقة في هذه الآية التي قد سمي لها صداقاً فيكون هذا منسوخاً لقوله:
{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أوجب الله للمطلقة قبل الدخول بها التي كان
قد فرض لها نصف ما فرض لها، فنسخ الإمتاع، وقيل هو ندب وليس بفرض فهو
محكم غير منسوخ على هدا القول. انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص:
334-335.
(2/544)
ذكر الآية
الثالثة: قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} 1.
اختلف المفسرون فيها على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة بقوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك} 2
وهذا مروي عن علي وابن عباس وعائشة وأم سلمة3 وعلي بن الحسين4
والضحاك5.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمّد بن إسماعيل قال أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال:
__________
1 الآية (52) من سورة الأحزاب.
2 الآية (50) من السورة نفسها.
3 أما أم سلمة؛ فهي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر
بن المغيرة بن مخزوم المخزومية أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها،
تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل ثلاث،
وعاشت بعد ذلك ستين سنة وماتت سنة اثنين وستين وقيل سنة إحدى، وقيل قبل
ذلك والأول أصح. انظر: تقريب التهذيب ص: 473.
4 علي بن الحسين، بن أبي طالب زين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل
مشهور قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه، من الثالثة
مات سنة: 93هـ وقيل غير ذلك. انظر: ترجمته في تقريب التهذيب ص: 345.
5 ذكر المؤلف قول النسخ عن هؤلاء في تفسيره زاد المسير 6/411.
(2/545)
بنا عمران
بن محمد الأنصاري، قال: بنا أبو عاصم قال: ابنا بن جريج عن عطاء عن
عائشة قالت: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل (له)1 أن
ينكح ما شاء"2 قال أبو سلمان الدمشقي: يعني نساء جميع القبائل من
المهاجرات وغير المهاجرات.
والقول الثاني: أنها محكمة، ثم فيها قولان:
أحدهما: إن الله تعالى (أثاب)3 نساءه حين اخترنه بأن قصره، عليهن فلم
يحل له غيرهن، ولم ينسخ هذا.
أخبرنا المبارك بن علي، قال. أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكى،
قال. بنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود،
قال: ذكر محمد بن مصفى أن يوسف بن السفر حدثهم عن الأوزاعي، عن عثمان
بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {لا يَحِلُّ لَكَ
النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} قال حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه4.
قال أبو بكر: وبنا إسحاق بن إبراهيم، قال: بنا حجاج، قال: بنا (حماد)5
عن علي بن زيد عن الحسن، {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ}
قال:
__________
1 في (هـ): لكم. وهو خطأ من الناسخ.
2 رواه الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، في كتاب
التفسير5/356 رقم: 3216، وذكره الطبري بإسناده عنها في جامع البيان
22/24.
3 في (هـ): أياب، وفي (م) غير منقوطة صححتها عن زاد المسير 6/411.
4 ذكره السيوطي في الدر المنثور5/212 وعزاه إلى ابن مردويه عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
5 في (هـ) كلمة (الحمد) زيادة ولعلها من الناسخ.
(2/546)
قصره الله
على نسائه (التسع)1 اللاتي مات عنهن، وهذا قول ابن سيرين وأبي أمامة
(بن سهل)2 وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث3 والسدي.
والثاني: أن المراد بالنساء هاهنا، الكافرات ولم يجز له أن يتزوج
بكافرة قاله: مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد4.
__________
1 في (هـ): (النسخ) وهو تصحيف.
2 في (م): وابن سهل، والواو زيادة من الناسخ، لأنه أبو أمامه بن سهل،
كما ذكره المؤلف في زاد المسير، حينما نقل هذا الرأي عنه. انظر: 6/411
من زاد المسير.
3 أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني
قيل اسمه محمّد، وقيل المغيرة وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد
الرحمن، وقيل اسمه كنيته. ثقة فقيه عابد من الثالثة مات سنة: 94هـ وقيل
غير ذلك. انظر: التقريب ص:396.
4 قلت: ذكره الطبري بالإسناد، ومكي بن أبي طالب بدون إسناد، عن مجاهد،
وذكر هذه الآراء كلها المؤلف في تفسيره، عنهم كما ذكر دعوى النسخ
مختصراً في مختصر عمدة الراسخ الورقة (11)، ولم يرجح.
وأما الطبري فقد اختار إحكام الآية: وقال: (أولى الأقوال عندي بالصحة
قول من قال: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك
بقولي: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ
أُجُورَهُنّ} إلى قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ} وإنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية لأن قوله تعالى
: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} عقيب قوله : {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَكَ} وغير جائز أن يقول قد أحللت لك هؤلاء ولا يحللن لك إلا
بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين قبل الأخرى
منهما، فإذا كان كذلك، ولا برهان ولا دلالة إلى نسخ حكم إحدى الآيتين
حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحداهما قبل صاحبتها وكان غير مستحيل
مخرجهما على الصحة، لم يجز إحداهما ناسخة للأخرى) ا. هـ.
وأورد مكي بن أبي طالب إحكام الآية بأدلته عن ابن عباس وأبي أمامة سهل
وقتادة والحسن وابن سيرين. انظر : جامع البيان 22/22؛ والإيضاح لناسخ
القرآن ومنسوخه (337).
(2/547)
باب: ذكر
ما ادعي (عليه) النسخ في سورة سبأ
...
باب: ذكر ما ادعي (عليه)1 النسخ في سورة سبأ
قوله تعالى: {قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ
عَمَّا تَعْمَلُونَ} 2.
قال المفسرون، المعنى: لا تؤاخذون بجرمنا ولا نسأل عما تعملون من الكفر
والتكذيب. والمعنى: إظهار التبري منهم، قالوا: وهذا منسوخ بآية السيف3.
ولا أرى لنسخها وجهاً، لأن مؤاخذة كل واحد بفعله لا يمنع من قتال
الكفار4.
__________
1 في (هـ): عليهن، وهو خطأ لأنه لا يوجد مما ادعي عليه النسخ هنا إلا
آية واحدة.
2 الآية (25) من سورة سبأ.
3 ذكره هبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: 75.
4 أورد دعوى النسخ المؤلف في مختصره 6/455، وفي مختصر عمدة الراسخ
الورقة (11) ثم ردها بقوله: ولا وجه للنسخ.
(2/548)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة فاطر
قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ} 1.
قال بعض المفسرين: نسخ معناها بآية السيف2. وقد تكلمنا على جنسها وبينا
أنه لا نسخ3.
__________
1 الآية (23) من سورة فاطر.
2 ذكره هبة الله في المصدر السابق.
3 انظر فيما سبق على طريق المثال مناقشة الآيات (12) هود، (82) النحل،
(104) الأنعام.
(2/549)
باب: ذكر
ما أدعى عليه النسخ في سورة الصافات
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} 1.
للمفسرين في المراد (بالحين)2 ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه زمان الأمر بقتالهم. قاله مجاهد3.
والثاني: موتهم: (قاله قتادة)4.
والثالث: القيامة: (قاله)5 ابن زيد، وعلى هذا والذي قبله يتطرق نسخها،
وقال مقاتل بن حيان نسختها آية القتال6.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
7. أي: أنظر إليهم إذا نزل العذاب بهم ببدر فسوف يبصرون ما أنكروا،
وكانوا يستعجلون به
__________
1 الآية (174) من سورة الصافات.
2 في (هـ): (الخير) بدل الحين، وهو تحريف من الناسخ.
3 ذكره المؤلف في زاد المسير7/93، عن مجاهد، ثم قال: فعلى هذا الآية
محكمة.
4 هاء الضمير ساقطة من (هـ).
وقد ذكر هذا القول ابن جرير في جامع البيان عند ذكر هذه الآية، عن
قتادة.
5 في (هـ): قوله، بدل قاله، وهو تحريف من الناسخ، أورد الطبري هذا
القول عن ابن زيد عند ذكر هذه الآية.
6 ذكر المؤلف القولين الآخرين عن قتادة وابن زيد، في مختصر عمدة الراسخ
ورقة (11) وفي زاد المسير المصدر السابق، ثم قال عن مقاتل إنها منسوخة
بآية القتال.
7 الآية (175) من سورة الصافات.
(2/550)
تكذيباً
وهذا كله دليل على إحكامها، وزعم قوم: أنها منسوخة بآية السيف، وليس
بصحيح1.
ذكر الآية الثالثة والرابعة: وهما تكرار الأوليين : {وَتَوَلَّ
عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} 2.
قال المفسرون: هذا تكرار لما تقدم (توكيد)3 لوعده بالعذاب، وقال ابن
عقيل: الآيتان المتقدمتان عائدتان إلى أذيتهم له، وصدهم له عن العمرة.
والحين الأول: حين الفتح فالمعنى: أبصرهم إذا جاء نصر الله، ووقفوا بين
يديك بالذل، وطلب العفو، فسوف يبصرون عزك وذلهم على ضدّ ما كان، يوم
القضاء.
والموضع الثاني:4 {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} وهو يوم القيامة
والله أعلم. وأبصر ما يكون من عذاب الله لهم.
__________
1 فسر المؤلف في زاد المسير7/93-94، بقوله: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي:
أعرض عن كفار مكة {حَتَّى حِينٍ} أي: حتى تنقضي مدة إمهالهم، وقال
مجاهد: حتى نأمرك بالقتال، فعلى هذا الآية محكمة، وقال في رواية: حتى
الموت، وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: حتى القيامة فعلى هذا يتطرق
نسخها، وقال مقاتل بن حيان نسختها آية القتال انتهى). وكذلك أورد في
مختصر عمدة الراسخ ورقة (11) قول قتادة وابن زيد وذكر النسخ بدون
تعليق.
2 الآية (178-179) من سورة الصافات.
3 في (م): توكيداً، بالنصب.
4 يقصد الحين الثاني.
(2/551)
قلت: وعلى
ما ذكرنا لا وجه للنسخ، وقد ادعى بعضهم نسخ الآيتين خصوصاً إذا قلنا
إنها تكرار للأوليين1.
__________
1 سكت عن دعوى النسخ في هذه الآيات الأربعة النحاس ومكي بن أبي طالب،
وذكره ابن حزم في ناسخه ص: 358، وابن سلامة في ناسخه (74) وابن هلال في
ناسخه ورقة (30) أما المؤلف فلم يتعرض له في زاد المسير، وقال في مختصر
عمدة الراسخ: إنه تكرار لما تقدم وتوكيد. انظر: الورقة (11) منه.
(2/552)
|