|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة ص - الزمر - المؤمن - السجدة - حم عسق -
الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف - محمد - ق
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة ص
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّمَا
أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} 1 .
ومعنى الكلام: إني ما علمت قصة آدم: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} 2 إلا بوحي وعلى
هذا الآية محكمة، وقد زعم بعض من قل فهمه: إنها منسوخة بآية السيف3.
وقد رددنا مثل هذه الدعوى في نظائرها المتقدمة4
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ
حِينٍ} 5 زعم بعض من لا فهم له: أنها منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح،
لأنه وعيد بعقاب إما أن يراد بوقته الموت أو القتل والقيامة وليس فيه
ما يمنع قتال الكفار6.
__________
1 الآية (70) من سورة ص.
2 الآية (71) من السورة نفسها.
3 ذكره ابن حزم في المصدر السابق وابن سلامة في ناسخه ص: 76، وابن هلال
في ناسخه (31).
4 قلت: لم يذكر المؤلف هذه السورة في مختصر عمدة الراسخ إطلاقاً، وقد
فسر هذه الآية في زاد المسير 17/155، ـ كما فسرها الطبري في جامع
البيان23/178 – بما يؤيد إحكامها. وقد سبق أن رد المؤلف دعوى النسخ في
أشباه هذه الآية. انظر: مثلاً مناقشة الآية (92) من سورة النمل، و(50)
من سورة العنكبوت.
5 الآية (88) من سورة ص.
6 قلت: ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم، وابن سلامة، وابن هلال، في المصادر
السابقة وقال ابن سلامة: فمن يجعل الحين (الدهر) لا نسخ فيها. فأما
النحاس ومكي ابن أبي طالب فلم يتعرض للنسخ في هذه الآية ولا في التي
قبلها. وذكر المؤلف في زاد المسير بأن المراد بالحين الموت أو القيامة،
عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر المعنى الأول عن قتادة، وقال ابن
كثير: (لا منافاة بين القولين، فإن من مات دخل في حكم القيامة، وقال
قتادة في قوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} قال
الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين). انظر: زاد المسير
7/159، وتفسير القرآن العظيم 4/44.
(2/553)
باب: ذكر
ما أدعي عليه النسخ في سورة الزمر
...
باب: ذكر1 ما أدعي عليه النسخ في سورة الزمر
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي
مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 2.
قال المفسرون: هذا حكم الآخرة، وهذا أمر محكم، وقد ادعى بعضهم نسخها
بآية السيف، وعلى هذا يكون الحكم حكم الدنيا3 بأن أمر بقتالهم4.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ
رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 5
قد ادعى قوم نسخها بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} 6
وقد منعنا ذلك في ذكر نظيرتها في الأنعام7.
__________
1 في (هـ): تقديم وتأخير.
2 الآية الثالثة من سورة الزمر.
3 هنا كلمة (بأمر) زائدة في (هـ) ولعلها من الناسخ.
4 ذكر دعوى النسخ في هذه الآية ابن حزم في ناسخه (359) وابن سلامة (77)
في ناسخه، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (31)، ولم يتعرض له النحاس،
ومكي ابن أبي طالب، ولا المؤلف في مختصر عمدة الراسخ، إنما ذكره المؤلف
في زاد المسير7/162، عن قوم ثم قال: ولا وجه لذلك.
5 الآية (13) من سورة الزمر.
6 الآية الثانية من سورة الفتح.
7 انظر مثلاً: مناقشة آية (115) من سورة الأنعام.
قلت: ذكر دعوى النسخ في هذه الآية بآية الفتح ابن حزم وابن سلامة وابن
هلال في المصادر السابقة ولم يتعرض له الطبري ولا النحاس ولا مكي بن
أبي طالب ولا المؤلف في مختصر عمدة الراسخ وإنما اكتفى المؤلف في زاد
المسير7/165 بالإحالة إلى سورة الأنعام حيث أثبت الإحكام هناك.
(2/555)
ذكر الآية
الثالثة: قوله تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 1.
ليس هذا بأمر وإنما هو تهديد، وهو محكم فهو كقوله: {اعْمَلُوا مَا
شِئْتُمْ} 2 وقد زعم بعض من لا فهم له أنه منسوخ بآية السيف3. وإنما
قال هذا، لأنه ظن أنه أمر، وهذا ظن فاسد وخيال رديء4.
ذكر الآية الرابعة والخامسة: قوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} 5.
زعم بعض المفسرين (أنهما نسختا)6 بآية السيف، وإذا كان معناهما التهديد
والوعيد، فلا وجه للنسخ7.
__________
1 الآية (15) من سورة الزمر.
2 الآية (40) من سورة فصلت.
3 ذكره ابن حزم في ناسخه (360) وهبة الله في ناسخه (77)، وابن هلال في
ناسخه المخطوط، ورقة (31) ولم يتعرض له النحاس ومكي بن أبي طالب.
4 قلت: لم يذكر المؤلف هذا القول في مختصر عمدة الراسخ، وأورده في زاد
المسير 7/169، ثم قال: وهذا باطل، لأنه لو كان أمراً كان منسوخاً فأما
أن يكون بمعنى الوعيد فلا وجه لنسخه.
5 الآيتان (39 - 40) من سورة الزمر.
6 في (هـ): أنها نسخت بالإفراد، وهو خطأ من الناسخ.
7 ذكر مكي بن أبي طالب قول النسخ هنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم
قال: وهذا تهديد ووعيد لا يحسن نسخه، وكذا قال المؤلف في مختصر عمدة
الراسخ ورقة (11)، وأما في تفسيره 7/185 فذكر النسخ بدون تعليق.
(2/556)
ذكر الآية
السادسة: قوله تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} 1قد
زعم قوم: أنها منسوخة بآية السيف، وقد سبق كلامنا في هذا الجنس أنه ليس
بمنسوخ2.
ذكر الآية السابعة:قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ
وَالآرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ
عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 3.
زعم بعض ناقلي التفسير أن معناه نسخ بآية السيف، وليس هذا بصحيح؛ لأن
حكم الله بين عباده في الدنيا بإظهار حجج (المحقين)4 وإبطال شبه
(الملحدين)5 وفي الآخرة بإدخال هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار، وهذا لا
ينافي قتالهم6.
__________
1 الآية (41) من سورة الزمر.
2 انظر: مناقشة الآية (104) من سورة الأنعام والآية (92) من سورة
النمل.
3 الآية (46) من سورة الزمر.
4 في (هـ): المحققين.
5 في (هـ): محدثين، وهو تحريف.
6 قال ابن حزم في ناسخه ص:360، وابن سلامة في ناسخه ص: 78، أن معنى هذه
الآية منسوخة بآية السيف لا لفظها، ولم أجد أحداً عدها من المنسوخة
غيرهما، ولم يتعرض لدعوى النسخ فيها المؤلف في تفسيره ولا في مختصر
عمدة الراسخ.
(2/557)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة المؤمن
قوله تعال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} 1.
هذه الآية في هذه السورة في موضعين وقد ذكروا أنها منسوخة بآية السيف،
وعلى ما قررنا في نظائرها لا نسخ2.
__________
1 الآية (55) و(77) من سورة المؤمن.
2 انظر مثلاً الآيات (176)، من سورة آل عمران، و(109) من سورة يونس.
(2/558)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة حم السجدة
قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 1.
وقد زعم بعض المفسرين أنها منسوخة بآية السيف2.
أخبرنا المبارك بن على، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا أبو إسحاق
البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود،
قال: أبنا الحسن بن علي بن مهران، قال: بنا عامر بن الفرات، عن أسباط
عن السدي، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: هذا قبل القتال،
وقال أكثر المفسرين هو كدفع الغضب بالصبر، (والإساءة)3 بالعفو، وهذا
يدل على أنه ليس المراد بذلك معاملة الكفار فلا يتوجه النسخ.
أخبرنا المحمدان، ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أبنا أحمد بن أحمد،
قال: أبنا أحمد بن عبد الله الأصفهاني، قال: بنا سليمان أبي أحمد، قال:
بنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم عن
مجاهد {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: هو السلام يسلم عليه،
ورواه منصور عن مجاهد، قال: المصافحة4.
__________
1 الآية (34) من سورة السجدة.
2 ذكر هذا القول ابن حزم في ناسخه (362) وابن سلامة في ناسخه (79) وابن
هلال في ناسخه ورقة (31).
3 في (هـ):والاثا،وهو تحريف،وقد ذكر هذا الرأي المؤلف في زاد
المسير7/258.
4 ذكره الطبري بإسناده عن مجاهد، وذكره المؤلف في زاد المسير في المصدر
نفسه عن عطاء، وفسر الطبري الآية بقوله: (ادفع يا محمّد بحلمك جهل من
جهل عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء وبصبرك عليهم مكروه ما
تجد منهم، ويلقاك من قبلهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على
اختلاف منهم في تأويله) ثم ذكر أثراً عن ابن عباس يؤيد تفسيره هذا. ولم
يتعرض لدعوى النسخ هنا، النحاس ولا مكي ابن أبي طالب، وذكر المؤلف في
مختصر عمدة الراسخ الورقة (11) نحو ما ذكره هنا بالاختصار، ونسب قول
النسخ في زاد المسير إلى المفسرين. انظر: جامع البيان 24/85-86.
(2/559)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة حم عسق
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الآرْضِ}
1.
زعم قوم منهم ابن منبه2 والسدي، ومقاتل بن سليمان، أنها منسوخة بقوله:
{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} 3. وهذا قبيح، لأن الآيتين
خبر، والخبر لا ينسخ، ثم ليس بين الآيتين تضاد؛ لأن استغفارهم للمؤمنين
استغفار خاص لا يدخل فيه إلا من اتبع الطريق المستقيم فلأولئك طلبوا
الغفران والإعادة من النيران وإدخال الجنان.
واستغفارهم لمن في الأرض لا يخلوا من أمرين: إما أن يريدوا به الحلم
عنهم والرزق لهم، والتوفيق ليسلموا، وإما أن يريدوا به من في الأرض من
المؤمنين فيكون اللفظ عاماً والمعنى خاصاً، وقد دلت على تخصيص عمومه
قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} والدليل الموجب لصرفه عن
العموم إلى الخصوص أن الكافر لا يستحق أن يغفر له فعلى هذا البيان
__________
1 الآية (5) من سورة الشورى.
2 وهب بن منبه ابن كامل اليماني، ثقة من الثالثة مات سنة بضع عشرة
ومائة انظر: تقريب التهذيب (372). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في
مقدمة أصول التفسير 56-57: (كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز
تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة).
3 الآية السادسة من سورة غافر.
(2/561)
لا وجه
للنسخ، وكذلك قال قتادة {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الآرْضِ} قال:
للمؤمنين منهم1.
وقال أبو الحسين بن المنادي2 في الكلام مضمر، تقديره: لمن في الأرض من
المؤمنين.
وقال أبو جعفر النحاس: يجوز أن يكون وهب بن منبه أراد أن هذه الآية على
نسخ تلك الآية، لأنه لا فرق بينهما3.
ذ كر الآية الثانية: قوله تعالى: {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} 4.
__________
1 ذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور6/3، وقال: أخرجه عبد الرزاق وابن
منذر وعبد بن حميد عن قتادة، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ (215)
بإسناده عن قتادة أيضاً.
2 وهو: أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادي، ولد ببغداد سنة: 256هـ، وكان
عالماً ممتازاً حتى قيل إنه ألف أكثر من مائة مؤلف، وله كتاب في النسخ
في القرآن، توفي سنة: 334هـ، كما قال كشف الظنون (1921). انظر: طبقات
الحنابلة ص: 291-292 (رقم 632).
3 انظر كلام النحاس في الرد على من ادعى النسخ في الناسخ والمنسوخ
(214-215) وقد أورد المؤلف في تفسيره7/273 دعوى النسخ هنا، عن قوم منهم
مقاتل، كما أوردها في مختصر عمدة الراسخ ورقة (11) ثم رد فيهما بمثل
مارد به هنا، وأما مكي بن أبي طالب فيقول بعد ذكر قول النسخ: (إن
الصواب فيه مخصوص ومبين بآية غافر وليس بمنسوخ لها). انظر: الإيضاح في
ناسخ القرآن ومنسوخه ص: 350.
4 الآية السادسة من سورة الشورى.
(2/562)
قد زعم
كثير من المفسرين: أنها منسوخة بآية السيف وقد بينا مذهبنا في نظائرها
وأن المراد: أنا لم نوكلك بهم فتؤخذ بأعمالهم فلا يتوجه نسخ1.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} 2.
للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار، وذلك قبل الأمر بالقتال ثم
نزلت آية السيف فنسختها. قاله الأكثرون وروى الضحاك عن ابن عباس، قال:
{لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} مخاطبة لليهود أي لنا
ديننا ولكم دينكم، قال: ثم نسخت بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية3 وهكذا قال مجاهد4.
وأخبرنا المبارك بن علي قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود،
قال: بنا الحسين بن علي، قال: بنا عامر بن الفرات عن أسباط عن
__________
1 انظر مما تقدم الآيات ص: (66)، و(104) من سورة الأنعام. أورد المؤلف
في المصدرين السابقين دعوى النسخ في هذه الآية ثم ردها بقوله: (ولا
يصح).
2 الآية (15) من سورة الشورى.
3 الآية (29) من سورة التوبة.
4 ذكره النحاس في ناسخه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما
ذكره مكي بن أبي طالب عنه وعن مجاهد، بدون إسناد. انظر: الناسخ
والمنسوخ (215) والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (350).
(2/563)
السدي {لا
حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} قال: هذه1 قبل السيف، وقبل أن يؤمر
بالجزية2.
والقول الثاني: أن معناها: أن الكلام بعد ظهور الحجج والبراهين قد سقط
بيننا فلم يبق إلا السيف فعلى هذا هي محكمة، قاله جماعة من المفسرين
وهو الصحيح3.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} هذا محكم. وقوله {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} 4 .
للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أنه منسوخ، بقوله: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ} 5
رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما وبه قال مقاتل6.
__________
1 في (هـ): هذه الآية، وهي ساقطة في (م).
2 ذكر ابن كثير في تفسيره4/109، نحوه عن السدي.
3 انظر فيما سبق مناقشة الآية (139) من سورة البقرة، وقد أورد المؤلف
قول الإحكام في زاد المسير7/278 عن شيخه علي بن عبيد الله عن طائفة من
المفسرين، وذكره أيضاً في مختصر عمدة الراسخ ورقة (12)، ثم قال: (فعلى
هذا هي محكمة). وأما ابن كثير فيورد قول النسخ عن السدي، ثم يرد ذلك
بأن هذه مكية وأن آية السيف بعد الهجرة. انظر تفسير القرآن العظيم
4/109.
4 الآية (20) من سورة الشورى.
5 الاية (18) من سورة الإسراء.
6 أورد هذا القول النحاس في ناسخه بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس،
كما ذكره عنه مكي بن أبي طالب بدون إسناد، وقال المؤلف في تفسيره وهذا
قول جماعة منهم مقاتل. انظر: الناسخ والمنسوخ (215) والإيضاح (351)؟
وزاد المسير 7/282.
(2/564)
والثاني:
أنه محكم، لأنه خبر قاله قتادة1، (ووجهه)2 ما بيناه في نظيرها في آل
عمران عند قوله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}
3.
ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 4
للمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أن هذا الاستثناء من الجنس، فعلى هذا يكون سائلاً أجراً، وقد
أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى ثم قال: نسخت هذه الآية
بقوله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} 5 وإلى هذا
ذهب مقاتل.
والثاني: أنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون عن تبليغهم
أجراً، وإنما المعنى: لكني أذكركم المودة في القربى، وقد روى هذا
المعنى جماعة عن ابن عباس، منهم طاؤس والعوفي6.
__________
1 يقول النحاس في المصدر السابق: (والدليل على أنها غير منسوخة: أنه
خبر وقد قال قتادة في الآية من آثر الدنيا على الآخرة وكدح لها لم يكن
له في الآخرة إلا النار، ولم يزد منها شيئاً إلا ما قسم الله له).
2 في النسختين هاء الضمير ساقطة في كلمة ووجهه، كملتها ليتضح المعنى.
3 انظر إن شئت مناقشة الآية (145) من آل عمران، وقد رد المؤلف في
تفسيره ومختصر عمدة الراسخ ورقة (12) قول النسخ في هذه الآية وأثبت
فيها الإحكام، وهو اختيار النحاس ومكي بن أبي طالب.
4 الآية (23) من سورة الشورى.
5 الآية (47) من سبأ، وقد أخطأ الناسخ في نقل هذه الآية في (هـ)، وأما
هذا القول فقد رواه النحاس بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس. انظر:
الناسخ والمنسوخ (216).
6 أورد الطبري في جامع البيان 25/25 هذا المعنى عن ابن عباس من طريق
العوفي.
(2/565)
أخبرنا
ابن الحصين، قال: أبنا بن المذهب، قال: أبنا أحمد بن جعفر، قال: بنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: بنا يحيى عن شعبة، قال:
حدثني عبد الملك بن ميسرة، عن طاؤوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لم
يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فنزلت:
{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي
الْقُرْبَى} إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم1. هذا هو الصحيح، ولا
يتوجه على هذا نسخ أصلاً2.
ذكر الآية السادسة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} 3.
اختلفوا في هذه الآية، فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها
منسوخة بآية السيف، وهو مذهب جماعة منهم ابن زيد4 وكأنهم
__________
1 رواه البخاري وابن جرير نحوه عن ابن عباس، ولفظ البخاري من طريق شعبة
عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت طاؤس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
سأل عن قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فقال سعيد بن جبير:
عجلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم
قرابة. فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. انظر: صحيح
البخاري مع الفتح في كتاب التفسير 10/185، وجامع البيان 25/15.
2 قال المؤلف في زاد المسير 7/284 بعد ذكر المعنى الثاني المذكور هنا:
(وهذا اختيار المحققين، وهو الصحيح فلا يتوجه نسخ أصلاً) وهو اختيار
الطبري، والنحاس، وابن كثير4/111-114.
3 الآية (39) من سورة الشورى.
4 ذكره الطبري بإسناده والنحاس ومكي بن أبي طالب بدون إسناد، عن ابن
زيد. انظر: جامع البيان28/23؛ والناسخ والمنسوخ ص: 217؛ ومكي بن أبي
طالب في الإيضاح ص: 352.
(2/566)
يشيرون
إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين فلما جاز لنا أن نبدأهم
القتال دل على نسخها. وللقائلين بأنها في المسلمين قولان:
أحدهما: أنها منسوخة بقوله {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} 1 فكأنها نبهت
على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، فبان وجه النسخ.
والثاني: أنها محكمة لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح فعلى
هذا تكون محكمة وهو الصحيح2.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
مِثْلُهَا} 3.
زعم بعض من لا فهم له، أن هذا الكلام منسوخ بقوله: {فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} 4 وليس هذا بقول من يفهم الناسخ
والمنسوخ، لأن معنى الآية: أن من جازى مسيئاً فليجازه بمثل إساءته، ومن
عفا فهو أفضل5.
__________
1 الآية (43) من سورة الشورى.
2 ذكر المؤلف - رحمه الله - في تفسيره7/292 بمثل ما ذكره هنا من عرض
الأقوال والترجيح، وقال: في مختصر عمدة الراسخ ورقة (12) والتحقيق أنها
محكمة، وهو اختيار الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب. انظر: المصادر
السابقة وفسرها ابن كثير بما يؤدي الإحكام في تفسير القران العظيم
4/118.
3 الآية (40) من سورة الشورى.
4 عجز الآية نفسها.
5 قلت: عزا دعوى النسخ هنا الطبري، والنحاس إلى ابن زيد، ثم قال
الطبري: "غير أن الصواب عندنا أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله
إلى الباطن ما يجب التسليم له وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر
يقطع العذر أو حجة يجب التسليم لها، ولم تثبت حجة في قوله: {وَجَزَاءُ
سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} أنه مراد به المشركون دون المسلمين ولا
بأن هذه الآية منسوخة فنسلم لها بأن ذلك كذلك". انظر: جامع البيان
28/14؛ والناسخ والمنسوخ (217). وأما المؤلف فلم يتعرض لدعوى النسخ
هنا، في تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ.
(2/567)
ذكر الآية
الثامنة: قوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ
مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} 1.
زعم بعض من لا يفهم، أنها نسخت بقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ
ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الآمُورِ} 2 وليس هذا (بكلام)3 من يفهم الناسخ
والمنسوخ، لأن الآية الأولى تثبت جواز الانتصار، وهذه تثبت أن الصبر
(أفضل)4.
__________
1 الآية (41) من سورة الشورى.
2 الآية (43) من السورة نفسها.
3 في (هـ): (الكلام) وهو تحريف من الناسخ.
4 غير واضحة من (هـ)، ذكر الطبري دعوى النسخ هنا بإسناده عن ابن زيد،
وعد هذه الآية والتي قبلها ابن حزم وابن سلامة من المنسوخة بآية
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} الآية وقال النحاس بعد عزو قول النسخ إلى
ابن زيد في الآيات الثلاثة السابقة: "وقال قتادة إنه عام، وكذا يدل
ظاهر الكلام". واختار الطبري إحكام الآية حيث يقول: (والصواب من القول
أن يقال: إنه معنى به كل منتصر من ظالمه وأن الآية محكمة غير منسوخة).
وأمّا المؤلف فلم يتعرض لقول النسخ أصلاً في زاد المسير ولا في مختصر
عمدة الراسخ.
انظر: تفسير الطبري 25/25؛ ومعرفة الناسخ والمنسوخ ص: 365؛ والناسخ
والمنسوخ لهبة الله ص: 80؛ وللنحاس ص: 217.
(2/568)
ذكر الآية
التاسعة: قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ
عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاغُ} 1.
زعم بعض المفسرين أنها منسوخة بآية السيف2.
وقد بينا مذهبنا في نظائرها وأنها ليست بمنسوخة3.
__________
1 الآية (48) من سورة الشورى.
2 عد هذه الآية من المنسوخة بآية السيف ابن حزم، وابن سلامة في
المصدرين السابقين، وابن هلال في ناسخه المخطوط (31) ولم ينسبه إلى أحد
كما لم يستندوا إلى أدلة نقلية أو عقلية على قولهم.
3 انظر مثلاً مما سبق مناقشة الآيات: (66)، (104)، (107) من سورة
الأنعام، ذكره المؤلف في مختصر عمدة الراسخ المخطوط ورقة (12) ورد قول
النسخ بمثل ما رد به هنا.
(2/569)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الزخرف
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى : {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} 1.
زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف، وقد عرف مذهبنا في نظائرها وأنها
واردة للوعيد والتهديد، فلا نسخ إذن2.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 3.
يروي الضحاك عن ابن عباس، قال: نسخ هذا بآية السيف.
__________
1 الآية (84) من سورة الزخرف.
2 انظر على طريق المثال مما سبق الآيات: (91)، (112)، (137)، من سورة
الأنعام.
قلت: تجد هذه الآية معدودة في المنسوخة بلا دليل وحجة، في كتاب ابن
حزم، في معرفة الناسخ والمنسوخ ص:365؛ والناسخ والمنسوخ لابن سلامة
(81) والإيجاز في الناسخ والمنسوخ (31) لابن هلال ولكن الإمام الطبري
والإمام ابن كثير لم يتعرضا لدعوى النسخ بل فسرا الآية بما يؤيد
إحكامها كما أثبت إحكامها المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (12).
انظر: جامع البيان28/62؛ وتفسير القرآن العظيم 4/136.
3 الآية (89) من سورة الزخرف.
(2/570)
وأخبرنا
إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران،
قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي،
وأبنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا
أحمد بن يحيى بن مالك (قال)1 بنا عبد الوهاب عن سعيد، قال: قال قتادة:
في قوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} قال
قتادة: نسختها براءة {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ} 2. هذا مذهب قتادة ومقاتل بن سليمان.
__________
1 في (م): بالتثنية، وهو خطأ.
2 الآية الخامسة من التوبة.
ذكر هذا القول الطبري عن قتادة بطريقين صحيحين إليه ونسبه النحاس إلى
ابن عباس بسند ضعيف، وبإسناد آخر إلى قتادة، وأما مكي بن أبي طالب فقد
عزا دعوى النسخ إليهما بدون إسناد، ولم يناقشوا قضية النسخ ولم يتعرضوا
إليها. وأما المؤلف فقد نحا نحوهم بدون ترجيح ولا تعليق على قول النسخ
ولكنه فسر الآية في زاد المسير فقال : {وَقُلْ سَلامٌ} فيه ثلاثة
أقوال:
أحدها: قل خيراً بدلاً من شرهم، قاله السدي.
والثاني: أردد عليهم معروفاً، قاله مقاتل.
والثالث: قل ما تسلم به من شرهم، حكاه الماوردي.
وفسر قوله {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} بثلاثة معان: منها أنه تهديد ووعيد،
وبه فسر ابن كثير أيضاً.
ويقول الدكتور/ مصطفى زيد في نهاية المناقشة عند ذكر هذه الآية: (الآية
محكمة لأنه وعيد وتهديد ولأنه لم يرد خبر على نسخها عن الرسول صحيحة
ولأنه لا خلاف بين الصفح في مكة مع من لم ينقضوا العهد والأمر بالقتال
بالمدينة مع من نقض العهد).
انظر في ذلك كله: جامع البيان25/63؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس (218)؛
والإيضاح (354)؛ وزاد المسير 7/335؛ وتفسير ابن كثير 4/137؛ والنسخ في
القرآن الكريم 2/538-539.
(2/571)
باب: ذكر
ما ادعي عيه النسخ في سورة الدخان
قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} 1.
قد ذهب جماعة من المفسرين إلى أنها منسوخة بآية السيف2. ولا نرى ذلك
صحيحاً؛ لأنه لا تنافي بين الآيتين، وارتقاب عذابهم إما عند القتل أو
عند الموت أو في الآخرة وليس في هذا منسوخ3.
__________
1 الآية (59) من سورة الدخان.
2 ذكره ابن حزم في ناسخه (366) وهبة الله في ناسخه (81) وابن هلال في
ناسخه المخطوط (31) وابن خزيمة الفارسي في ناسخه (267) ولم ينسبوا قول
النسخ إلى أحد كما لم يدعموه بأي دليل.
3 هكذا رد المؤلف دعوى النسخ في زاد المسير7/353، وفي مختصر عمدة
الراسخ ورقة 12، ولم يتعرض له الطبري ولا النحاس ولا مكي بن أبي طالب
ولا ابن كثير.
(2/573)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الجاثية
قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا
يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} 1.
جمهور المفسرين على أنها منسوخة، لأنها تضمنت الأمر بالإعراض عن
المشركين، واختلفوا في ناسخها على أربعة أقوال:
أحدها: آية السيف.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر
الباقلاوي، قالا: أبنا ابن شاذان، قال: بنا أحمد بن كامل، قال: بنا
محمد بن سعد، قال حدثني أبي قال حدثني عمي، عن أبيه عن جده عن ابن
عباس، {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ
أَيَّامَ اللَّه}.
قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه،
وكانوا يستهزئون به ويكذبونه فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان
هذا من المنسوخ2 روى الضحاك عن ابن عباس قال: نسخت بآية السيف3.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال:
__________
1 الآية (14) من سورة الجاثية.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان25/87، عن ابن عباس من طريق العوفي
وإسناده كإسناد المؤلف مسلسل بالضعفاء.
3 رواه الطبري بإسناده عن الضحاك في المصدر السابق.
(2/574)
بنا يعقوب
بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا
لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّه} ونحو هذا من القرآن مما أمر
الله فيه بالعفو عن المشركين فإنه نسخ ذلك بقوله: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 1 وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ
لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر عن قتادة {قُلْ
لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ
اللَّهِ} .
قال: نسختها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3.
والقول الثاني:أن ناسخها قوله في الأنفال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ
فِي الْحَرْبِ} 4 وقوله في براءة {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
كَافَّةً} 5 رواه سعيد عن قتادة.
أخبرنا إسماعيل به أحمد قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني
__________
1 الآية الخامسة من سورة التوبة.
2 الآية (29) من سورة التوبة.
والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/34، وقال: أخرجه ابن مردويه عن
ابن عباس رضي الله عنهما.
3 رواه الطبري في جامع البيان25/87، عن معمر عن قتادة.
4 الآية (57) من سورة الأنفال.
5 الآية (36) من سورة التوبة.
(2/575)
أبي قال:
بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي
الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} 1.
والثالث: قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا
بِالْيَوْمِ الآخِر} 2.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد قال: أبنا أبو داود، قال: بنا أحمد بن محمد، قال بنا
ابن رجاء عن همام عن قتادة {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا
لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} ثم نسخ فقال: {قَاتِلُوا
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية3.
والرابع: قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}
4 قاله أبو صالح5.
ويمكن أن يقال: إنها محكمة، لأنها نزلت على سبب وهو أنهم نزلوا في غزاة
بني المصطلق على بير فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ليستقي الماء، فأبطأ
عليه فلما أتى، قال ما حبسك؟ قال: غلام عمر ما ترك أحداً يستقي حتى ملأ
قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل
هؤلاء إلا كما قيل: (سمن)6 كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر
__________
1 رواه الطبري في جامع البيان25/87، عن سعيد عن قتادة.
2 الآية (29) من سورة التوبة.
3 الآية (29) من سورة التوبة.
4 الآية (39) من سورة الحجّ.
5 ذكره الطبري عن أبي صالح من طريق عبد بن حميد. انظر: جامع
البيان25/87.
6 في (هـ): ممن، وهو تحريف.
(2/576)
فاشتمل
بسيفه يريد التوجه إليه فنزلت هذه الآية. رواه عطاء عن ابن عباس1.
__________
1 ذكره الواحدي في أسباب النزول (253) والمؤلف في زاد المسير 7/357، عن
عطاء عن ابن عباس، كما ذكره الألوسي في تفسيره بدون سند35/147.
قلت: ذكر المؤلف سبباً آخر، وهو أيضاً يؤيد إحكام الآية وذلك: (لما
نزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} (245)
البقرة، قال يهودي بالمدينة يقال له منخاص: احتاج رب محمد، فلما سمع
بذلك عمر، اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزل جبريل عليه السلام بهذه
الآية فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلب عمر، فلما جاء، قال. يا
عمر، ضع سيفك وتلا عليه الآية رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس) وذكره
الواحدي أيضاً في المصدر السابق. وقد أورد المؤلف في زاد المسير قول
النسخ عن الجمهور ولم يبد رأيه فيه كما فعل ذلك في مختصر عمدة الراسخ
ورقة (12).
وذكر معظم كتب النسخ نسخ هذه الآية بدون تعليق، وقد رأينا قول المؤلف
باحتمال إحكامها، ويعتبر بعض المتأخرين هذه الآية مما تأمر بحسب
المعاملة للأعداء وهذا من حكمة الدعوة إلى الله التي لا ينبغي للدعاة
تركها، فهي محكمة. انظر: النسخ في القرآن الكريم 2/551.
(2/577)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الأحقاف
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا
بِكُمْ} 1.
اختلف (المفسرون)2 في هذا على قولين:
أحدهما: أنه راجع إلى الدنيا، ثم لهؤلاء فيه قولان:
أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى
أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه ثم مكثوا برهة لا يرون ذلك
فقالوا يا رسول الله: متى نهاجر فسكت فنزلت هذه الآية ومعناها: لا أدري
أخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا رواه أبو صالح عن ابن عباس
رضي الله عنهما3.
قال عطية ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها4.
والثاني: ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلوا،
أو لا أدري ما يفعل بكم، أتعذبون أم تؤجرون أتصدقون أم تكذبون، قاله
الحسن5.
__________
1 الآية التاسعة من سورة الأحقاف.
2 في (هـ): مفسرين، وهو خطأ من الناسخ.
3 رواه الكلبي والثعلبي عن صالح عن ابن عباس نحوه. انظر: أسباب النزول
(254).
4 ذكره السيوطي في الدر المنثور6/37، وقال: أخرجه ابن المنذر عن عطية.
5 أخرجه الطبري في أثر طويل بإسناده عن الحسن، كما ذكره ابن كثير في
تفسيره عنه.واختارا هذا القول وصوباه.انظر: جامع البيان26/6؛وتفسير
القرآن العظيم4/155.
(2/578)
والقول
الثاني: أنه راجع إلى الآخرة.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب
بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي
وَلا بِكُمْ} 1فأنزل الله بعدها {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} 2 وقال: {لِيُدْخِلَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} 3 فأعلمه ما يفعل به
وبالمؤمنين4 وممن ذهب إلى نحو هذا أنس وعكرمة وقتادة وقد زعم قوم أن
هذا من الناسخ والمنسوخ فروى الضحاك عن ابن عباس، قال: نسختها {إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} الآية5.
وأخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر ابن أبي داود قال:
__________
1 الآية التاسعة من الأحقاف.
2 الآية الثانية من سورة الفتح.
3 الآية الخامسة من سورة الفتح.
4 رواه بنحوه مختصراً، الطبري في جامع البيان26/7، عن طريق علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 6/38، وزاد نسبته
لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
5 ذكره النحاس، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في الناسخ
والمنسوخ ص: 219.
(2/579)
بنا محمد
بن قهزاذ قال: حدثني علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، وأبنا
محمد بن أبي منصور، قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا أبو علي بن
شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أحمد بن محمد، عن علي بن
الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما
{وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي} 1 نسختها الآية التي في الفتح، فخرج
إلى الناس فبشرهم بالذي غفر له، ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال رجل من
المؤمنين هنيئاً لك يا نبي الله: قد علمنا الآن ما يفعل بك فماذا يفعل
بنا؟ فأنزل الله في سورة الأحزاب {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ
لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} 2. وقال: {لِيُدْخِلَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الآنْهَارُ} 3.
قلت: والقول بنسخها لا يصح لأنه إذا خفي عليه علم شيء ثم أعلم به لم
يدخل ذلك في ناسخ ولا منسوخ، وقال النحاس: محال أن يقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة ولم يزل
يخبر أن من مات على الكفر يخلد في النار، ومن مات على الإيمان
__________
1 الآية التاسعة من سورة الأحقاف.
2 الآية (47) من سورة الأحزاب.
3 الآية الخامسة من سورة الفتح.
والحديث، ذكر الطبري نحوه عن عكرمة والحسن البصري، وذكره السيوطي وقال:
أخرجه أبو داود في ناسخه عن ابن عباس، وذكره البغوي أيضاً في تفسيره
بدون إسناد. انظر: جامع البيان26/5؛ والدر المنثور6/38.
(2/580)
فهو في
الجنة، فقد درى ما يفعل به وبهم في الآخرة، والصحيح في معنى الآية قول
الحسن {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} في الدنيا1.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا
الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} 2.
زعم بعضهم أنها نسخت بآية السيف، ولا يصح له هذا إلا أن يكون المعنى:
فاصبر عن قتالهم، وسياق الآيات يدل على غير ذلك، قال بعض المفسرين:
كأنه ضجر من قومه، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم (فأمر بالصبر)3.
__________
1 أخرج النحاس بإسناده عن الحسن هذا المعنى، بعد أن ذكر ما نقله المؤلف
عنه، ثم قال: (وهذا أصح قول وأحسنه لا يدري صلى الله عليه وسلم ما
يلحقه وإياهم من مرض وصحة وغنى وفقر وغلاء ورخص) وقال عن النسخ: (محال
أن يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر وتوبيخ واحتجاج على المشركين).
وإلى هذا ذهب مكي بن أبي طالب في اختيار معنى الآية وفي اختيار إحكام
الآية، وكذا رجح المؤلف في مختصر عمدة الراسخ أيضاً. ولم يذكر فيها
النسخ إلا أولئك الذين يسردون في كتبهم كل ما قيل بدون حجة ولا برهان
كابن حزم وابن سلامة وابن هلال. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 219؛
والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 356-357؛ ومختصر عمدة الراسخ المخطوط
ورقة (12).
2 الآية (35) من سورة الأحقاف.
3 ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير 7/397، تفسيراً لقوله {وَلا
تَسْتَعْجِلْ} ولم يذكر النسخ أصلاً فيه ولا في مختصر عمدة الراسخ، كما
لم يذكر ذلك النحاس ومكي ابن أبي طالب والإمام أبو جعفر الطبري، إنما
عدها من المنسوخة ابن حزم في ناسخه (368) وهبة الله في ناسخه ص: 85
وابن هلال في ناسخه المخطوط (32) وابن حزم الفارسي في ناسخه ص: 267.
(2/581)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة محمد صلى الله
عليه وسلم
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا
فِدَاءً} 1 فيها قولان:
أحدهما: أنها محكمة، وأن حكم المن والفداء باق لم ينسخ، وهذا مذهب ابن
عمر والحسن وابن سيرين،ومجاهد، وأحمد، والشافعي2.
والثاني: أن المن والفداء نسخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3 وهذا مذهب ابن جريج والسدي، وأبي حنيفة.
أخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر
الباقلاوي، (قالا)4: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال:
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه عن
__________
1 الآية الرابعة من سورة محمّد.
2 روى الطبري إحكام الآية عن ابن عمر من طريق الحسن البصري وعن الحسن
وعطاء وعمر بن عبد العزيز، يقول الشافعي في أحكام القرآن: "كلما حصل -
مما غنم من أهل دار الحرب - قسم كله، إلا الرجال البالغين فالإمام
بالخيار بين أن يمن على من رأى منهم أو يقتل أو يفادي، أو يسبى". انظر:
جامع البيان26/27؛ وأحكام القرآن للشافعي 1/158.
3 الآية الخامسة من سورة التوبة.
4 في النسختين: (قال) بالإفراد. وهو خطأ.
(2/583)
جده، عن
ابن عباس {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} قال: الفداء منسوخ
نسختها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 1.
أخبرنا بن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا ابن السرح قال:
حدثني خالد بن بزار، قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن حجاج ابن الحجاج
الباهلي عن قتادة {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} قال: كان
أرخص لهم أن يمنوا على من شاءوا ويأخذوا الفداء إذا أثخنوهم، ثم نسخ،
فقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد عن قتادة {فَإِمَّا مَنّاً
بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} قال: نسخ ذلك في براءة: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}.
قال: أحمد: وبنا عبد الصمد، عن همام عن قتادة، قال: رخص له أن يمن على
من يشاء منهم بأخذ الفداء ثم نسخ ذلك بعد في براءة، فقال: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}.
قال أحمد: وبنا حجاج، قال: بنا سفيان، قال: سمعت السدي، قال: {فَإِمَّا
مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} قال: نسختها {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3.
__________
1 أخرج نحوه الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد
العوفي، وإسناده كإسناد المؤلف مسلسل الضعفاء. انظر: جامع البيان26/26.
2 ذكر السيوطي نحوه في الدر المنثور 6/46، وقال: أخرجه عبد بن حميد عن
قتادة، وذكر النحاس في الناسخ والمنسوخ (221) عن قتادة أنها منسوخة
بآية {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ}.
3 أخرج نحوه الطبري بإسناده عن سفيان عن السدي. انظر: جامع
البيان26/26.
(2/584)
قال أحمد:
وبنا حجاج، قال: بنا سفيان، قال: سمعت السدي، قال: {فإما منا بعد وإما
فداء} قال: نسختها {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} 1.
قال أحمد وبنا معاوية بن عمرو، قال: بنا أبو إسحاق عن سفيان عن ليث عن
مجاهد أنه قال: هي منسوخة لا يفادون، ولا يرسلون2.قال أحمد: وبنا حجاج
قال بنا شريك عن سالم عن (سعيد)3 قال: "يقتل أسرى الشرك، ولا يفادون
حتى يثخن فيهم القتل"4.
__________
1 أخرج نحوه الطبري بإسناده عن سفيان عن السدي. انظر: جامع البيان
26/26.
2 ذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور6/47، وقال أخرجه ابن أبي شيبة عن
مجاهد وذكر النسخ النحاس عنه أيضاً في الناسخ والمنسوخ (221).
3 وهو: سعيد بن أبي عروبة بن مهران ثقة له تصانيف لكنه كثير التدليس
واختلط في آخره، وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة مات سنة:
157هـ. التقريب ص: 124.
4 قلت: ذكر المؤلف في تفسيره أن الآية محكمة عند عامة العلماء، ولم يبد
رأيه فيه ولا في مختصر عمدة الراسخ، لكنه يفهم من السياق أنه يميل إلى
رأي إمامه أحمد رحمه الله، وهو إحكام الآية، وهو اختيار الطبري،
والنحاس، ومكي بن أبي طالب، والبغوي، وعزاه إلى ابن عمرو والحسن وعطاء
والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، واستدلوا بما ورد عن ابن عباس أنه قال:
"خير النبي صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والقتل والمن،
والاستعباد، يفعل ما يشاء) رواه النحاس عن ابن عباس من طريق علي بن أبي
طلحة، ثم قال: وهو قول حسن مروي عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد".
انظر: جامع البيان26/27؛ والناسخ والمنسوخ ص: 221-222؛ والإيضاح لناسخ
القرآن ومنسوخه (359)؛ ومعالم التنزيل7/496.
(2/585)
ذكر الآية
الثانية: قوله تعالى: {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} 1.
زعم بعضهم أنها منسوخة بآية الزكاة، وهذا باطل، لأن المعنى: لا يسألكم
جميع أموالكم (قال السدي)2 إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا. وزعم
بعض المغفلين من نقلة التفسير أنها منسوخة بقوله: {إِنْ
يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} 3 وهذا ليس معه حديث.
__________
1 الآية (36) من سورة محمد.
2 في (هـ): فإن، بدل قاله وهو تحريف.
3 جزء من الآية (37) من السورة نفسها.
قلت: ذكر قول النسخ هنا ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ (369) ولم
يتعرض لهذا القول المؤلف في مختصر عمدة الراسخ وذكره في تفسيره ثم رده
بمثل ما رد به هنا، وأغفلت دعوى النسخ في هذه الآية أمهات كتب النسخ.
انظر: زاد المسير 7/415.
(2/586)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة ق.
قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} 1 قال ابن عباس رضي
الله عنهما: (لم تبعث لتجبرهم على الإسلام)2 وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم
قالوا ونسخ هذا بآية السيف.
__________
1 الآية (45) من سورة ق.
2 ذكر هذا المعنى المؤلف في زاد المسير8/25 عن ابن عباس، وذكر نحوه
الطبري بإسناده عن مجاهد ولم يذكر الطبري ولا النحاس ولا مكي بن أبي
طالب النسخ هنا، بل فسر الطبري وابن كثير الآية بما يؤيد إحكامها، وقد
نقل المؤلف عن المفسرين قول النسخ في تفسيره ومختصر عمدة الراسخ. انظر:
جامع البيان26/115؛ وتفسير ابن كثير 4/231.
(2/587)
|