|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ من سورة الذاريات - الطور - النجم - القمر -
المجادلة - الحشر - الممتحنة - التغابن - ن - سأل سائل - المزمل -
المدثر - هل أتى
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ من سورة الذاريات
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ
وَالْمَحْرُومِ} 1 الحق ها هنا النصيب، وفيه قولان:
أحدهما: أنه ما يصلون به رحماً، أو يقرون به ضيفاً، أو يحملون به
كلاًّ، أو يغنون به محروماً وليس بالزكاة. قاله ابن عباس رضي الله
عنهما2.
والثاني: أنه الزكاة، (قاله)3، قتادة وابن سيرين4 وقد زعم قوم: أن هذه
الآية اقتضت وجوب إعطاء السائل والمحروم فذلك منسوخ بالزكاة والظاهر
أنها حث على التطوع ولا يتوجه نسخ5.
__________
1 الآية (19) من سورة الذاريات.
2 ذكره المؤلف في زاد المسير8/25، عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما
ذكره السيوطي في الدر المنثور6/113، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن
عباس رضي الله عنهما.
3 هاء الضمير ساقطة من (هـ).
4 في (هـ) كلمة: (هو) زيادة ولعلها من الناسخ.
5 قلت: نقل المؤلف دعوى النسخ هنا في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13)، وفي
زاد المسير 6/113 ثم قال: (وهذا لا يصح) وروى إحكام الآية النحاس عن
الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهو أيضاً اختيار مكي بن أبي طالب.
انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 225؛ والإيضاح ص: 362.
(2/589)
ذكر الآية
الثانية: قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} 1.
زعم قوم: أنها منسوخة، ثم اختلفوا في ناسخها: فقال بعضهم: آية السيف2،
وقال بعضهم: أن ناسخها {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ
الْمُؤْمِنِينَ} 3 وهذا قد يخيل أن معنى قوله {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}
أعرض4 عن كلامهم، فلا تكلمهم، وفي هذا بعد فلو قال: هذا إن المعنى أعرض
عن قتالهم صلح نسخها بآية السيف، ويحتمل أن يكون معنى الآية أعرض عن
مجادلتهم فقد أوضحت لهم الحجج، وهذا لا ينافي قتالهم5.
__________
1 الآية (54) من سورة الذاريات.
2 ذكره مكي بن أبي طالب في المصدر السابق ولم يعز إلى أحد.
3 الآية (55) من السورة نفسها.
وقد ذكر هذا القول السيوطي في الدر المنثور 6/116 معزياً إلى أبي داود
في ناسخه، كما ذكر نحوه النحاس في ناسخه (225) عن الضحاك، وابن سلامة
في ناسخه (86).
4 في (هـ): أعراضهم، وهو تحريف.
5 قلت: عرض المؤلف الرأيين في هذه الآية في زاد المسير 8/42 كما ذكر
قول النسخ عن المفسرين في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) بدون ترجيح، أما
النحاس ومكي بن أبي طالب فقد أورد عن الضحاك أن هذه الآية منسوخة
بالأمر بالتبليغ. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 225 والإيضاح ص:362.
(2/590)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة الطور
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ
مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} 1.
قال المفسرون: معناها: انتظروا فيّ ريب المنون فإني منتظر عذابكم
فعذبوا يوم بدر بالسيف، وزعم بعضهم أنها منسوخة بآية السيف2 وليس
بصحيح، إذ لا3 تضاد بين الآيتين4.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا
يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} 5 في هذا اليوم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يوم موتهم6.
والثاني: يوم النفحة الأولى.
__________
1 الآية (31) من سورة الطور.
2 ذكره ابن سلامة في ناسخه ص: 87.
3 في (هـ): (ليس لا) وهو تحريف.
4 قلت: سلك المؤلف في تفسيره8/54، وفي مختصر عمدة الراسخ (13) مسلكه
هنا عرضاً ورداً.
5 الآية (45) من سورة الطور.
6 ذكره الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة في جامع البيان 27/19.
(2/591)
والثالث:
يوم القيامة1.
وقد زعم بعضهم: أن هذه الآية منسوخة بآية السيف2 وإذا كان معنى:
{فَذَرْهُمْ} الوعيد لم يقع نسخ3.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ
بِأَعْيُنِنَا} 4 زعم بعض المفسرين:
أن معنى الصبر منسوخ بآية السيف5 وليس بصحيح، لأنه يجوز أن يصبر لحكم
ربه ويقاتلهم، ولا تضاد بين الآيتين6.
__________
1 ذكر المؤلف في زاد المسير8/59 الآراء الثلاثة.
2 ذكره هبة الله في ناسخه ص: 87، وابن خزيمة في ناسخه ص: 267.
3 نقل المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) والتفسير الصفحة السابقة
قول النسخ عن المفسرين ثم رده بمثل مارد به هنا.
4 الآية (48) من سورة الطور.
5 ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 371.
6 قلت: رد المؤلف دعوى النسخ في تفسيره 8/60 بمثل مارد به هنا، وأمّا
في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) فقال بعد نقل دعوى النسخ عن المفسرين:
وإنما يصح هذا أن لو كان المراد الصبر عل القتال، والصبر ها هنا مطلق
يمكن أن يثار به على أوامر الله سبحانه.
(2/592)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة النجم.
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ
ذِكْرِنَا} 1 المراد بالذكر ها هنا القرآن، وقد زعموا أن هذه الآية
منسوخة بآية السيف2.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلاّ مَا
سَعَى} 3 روى عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية منسوخة بقوله:
{وَاتَّبَعَناهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} 4 قال: فأدخل الابن
الجنة بصلاح الآباء.
__________
1 الآية (29) من سورة النجم.
2 هكذا نسب المؤلف دعوى النسخ في تفسيره8/75 وفي مختصر عمدة الراسخ
المخطوط ورقة (13) إلى من زعم ذلك، ولم يبد رأيه فيه كعادته في الآيات
التي فيها معنى الإعراض وممن زعم ذلك أبو محمد مكي بن أبي طالب في
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (366) وهبة الله في ناسخه (89) وابن حزم
في ناسخه (371) وأما الإمامان الطبري وابن كثير، فلم يشيرا إلى النسخ
بل فسرا الآية بما يؤيد إحكامها. انظر: جامع البيان27/37؛ وتفسير
القرآن العظيم4/255.
3 الآية (39) من سورة النجم.
4 الآية (21) من سورة الطور. في النسختين (فأتبعنا) بالفاء، ولم أقف
على من قرأ بذلك.
وأمّا قوله: {وَاتَّبَعَناهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} جمعاً في الموضعين. هي
قراءة بعض قراء البصرة كابن عامر وهي قراءة مستفيضة كما قال
الطبري27/16، وأما المؤلف فيقول في زاد المسير 8/50 "قوله تعالى:
{وَاتَّبَعَناهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة
والكسائي: {وَاتَّبَعَتْهُمْ} بالتاء {ذُرِّيَّتُهُمْ} واحدة {هُمْ
ذُرِّيَّتُهُمْ} واحدة أيضاً. وقرأ نافع: {اتَّبَعَتْهُمْ
ذُرِّيَّتُهُمْ} واحدة {هُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ} جمعاً وقرأ ابن عامر
{وَاتَّبَعَناهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} جمعاً في الموضعين". ا. هـ.
(2/593)
أخبرنا
المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال أبنا البرمكي، قال:
أبنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب
بن سفيان، قال بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلاّ مَا
سَعَى} 1 قال: فأنزل الله تعالى بعد هذا: {وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} 2 فأدخل الله الأبناء
بصلاح الآباء الجنة3.
قلت: قول من قال: إن هذا نسخ غلط، لأن الآيتين خبر، والأخبار لا يدخلها
النسخ ثم إن إلحاق الأبناء بالآباء إدخالهم في حكم الآباء بسبب إيمان
الآباء فهم كالبعض تبع الجملة، (ذاك)4 ليس لهم إنما فعله الله سبحانه
بفضله وهذه الآية تثبت ما للإنسان إلا ما يتفضل به عليه5.
__________
1 الآية (39) من سورة النجم.
2 الآية (21) من سورة الطور.
3 أخرجه الطبري بإسناده من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله
عنهما. انظر: جامع البيان 27/44.
4 في (هـ): (ذلك).
5 قلت: لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية في مختصر عمدة الراسخ
أصلاً، وإنما نقل هذا القول في زاد المسير8/81 عن العلماء ثم قال: "ولا
يصح لأن لفظ الآيتين لفظ خبر والأخبار لا تنسخ" وهكذا أثبت مكي بن أبي
طالب إحكام الآية في الإيضاح ص: 365.
(2/594)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ من سورة القمر.
قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} 1.
قال الزجاج الوقف التام،فتول عنهم ويوم منصوب بقوله: {يَخْرُجُونَ مِنَ
الأجْدَاثِ} 2. وقال مقاتل: المعنى: فتول عنهم إلى يوم يدع الداع، وليس
هذا بشيء، وقد زعم قوم أن هذا (التولي)3 منسوخ بآية السيف4 وقد تكلمنا
على نظائره وبينا أنه ليس بمنسوخ5.
__________
1 الآية (6) من سورة القمر.
2 الآية السابعة من سورة القمر، وقد ذكر هذا المعنى المؤلف عن الزجاج
في زاد المسير 8/90.
3 في (هـ) كلمة (التولي) مكررة.
4 ذكره هبة الله في ناسخه ص: 88 وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة 33.
5 انظر على طريق المثال مناقشة الآيات: (63)، و(81) من سورة النساء
و(94) من سورة الحجر، مما سبق.
(2/595)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة المجادلة.
قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ
نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 1.
أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أبنا بن المظفر الداوودي، قال: أبنا
عبد الله بن أحمد بن حموية، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد
ابن حميد، قال: حدثني أبي شيبة، قال حدثني يحيى بن آدم قال حدثني عبيد
الله الأشجعي عن سفيان بن سعيد، عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن سالم
ابن أبي الجعد، عن علي بن علقمة (الأنماري)2 عن علي بن أبي طالب قال:
لما نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ
الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} 3 قال: لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى ديناراً) قال: قلت: لا يطيقونه،
قال: فكم قلت شعيرة قال: إنك لزهيد، قال: فنزل {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} 4 الآية فبيّ خفف
الله عزوجل عن هذه الأمة5.
__________
1 الآية (12) من سورة المجادلة.
2 في (ما): أنصاري وهو تحريف والصواب ما أثبت عن (م) وهو علي بن علقمة
الأنماري الكوفي مقبول من الثالثة، التقريب 247.
3 في (هـ) خطأ في نقل الآية الكريمة حيث كتب نجواهم، بدل نجواكم ولعله
من الناسخ.
4 الآية (13) من سورة المجادلة.
5 أخرج هذا الحديث الترمذي في كتاب التفسير وحسنه والطبري والنحاس، عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: سنن الترمذي 5/85، رقم الحديث
(3355)؛ وجامع البيان28/15؛ والناسخ والمنسوخ (237).
(2/596)
أخبرنا
علي بن أبي عمر، قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا أبو علي ابن شاذان،
قال: بنا أحمد بن إسحاق بن بنجاب، قال: بنا محمد بن أحمد ابن أبي
العوام، قال: بنا سعيد بن سليمان قال: بنا أبو شهاب عن ليث عن مجاهد،
قال: قال علي بن أبي طالب آية في كتاب الله عزوجل ما عمل بها أحد من
الناس غيري آية النجوى، كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكلما أردت أن
أناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم، فما عمل بها أحد قبلي
ولا بعدي1.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني قال: أبنا أحمد بن محمد،
قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن
عباس رضي الله عنهما {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} نسختها الآية التي تليها {أَأَشْفَقْتُمْ
أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني عن ابن
__________
1 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان28/14 من طريق ليث عن مجاهد عن علي
رضي الله عنه، وفيه: (كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم) رواه الحاكم
في المستدرك 2/482، عن عليرضي الله عنه وصححه، كما ذكره السيوطي في
الدر المنثور 6/186.
2 أخرج نحوه الطبري من طريق علي بن الحسين، عن عكرمة والحسن البصري في
جامع البيان 28/15.
(2/597)
عباس رضي
الله عنهما {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ
الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} نسختها
{أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} 1.
قال أحمد: وبنا عبد الرزاق، قال: بنا ابن عينية عن سليمان الأحول عن
مجاهد: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} قال: أمر أن
لا يناجي أحد منهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدق بين يدي ذلك،
وكان أول من تصدق علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه، ورضي الله عنه،
فناجاه فلم يناجه أحد غيره، ثم نزلت الرخصة {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} 2.
قال عبد الرزاق، وبنا معمر عن قتادة {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ}
إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار3.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل ابن خيرون وأبو طاهر
الباقلاوي، قالا: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال:
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه عن جده عن
ابن عباس رضي الله عنهما {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ
صَدَقَة} قال: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة فلما نزلت
الزكاة نسخ هذا4.
__________
1 ذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور6/186، وعزاه إلى أبي داود في
ناسخه، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق عطاء
الخراساني.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان28/14 عن مجاهد من طريق بن أبي نجيح،
وذكره السيوطي في المصدر السابق6/185 معزياً إلى عبد بن حميد، وابن
المنذر، وسعيد بن أبي منصور، عن مجاهد.
3 أخرجه الطبري بإسناده عن سعيد عن قتادة في جامع البيان28/15.
4 أخرجه الطبري عن ابن عباس في المصدر نفسه، من طريق محمّد بن سعد
العوفي.
(2/598)
قلت: كأنه
أشار إلى الآية التي بعدها وفيها {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ} 1 قال المفسرون نزل قوله: {أَأَشْفَقْتُمْ} أي: خفتم
بالصدقة الفاقة {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: أتجاوز عنكم وخفف
بنسخ إيجاب الصدقة2. قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال3 وقد
ذكرنا عن قتادة أنه قال: ما كان إلا ساعة من نهار4.
__________
1 الآية (14) من سورة المجادلة.
2 فسر الآية ابن جرير في المصدر السابق بهذا التفسير، والمؤلف في زاد
السير8/195.
3 ذكر السيوطي هذا المعنى في أثر طويل، في المصدر السابق، وقال: أخرجه
ابن أبي حاتم عن مقاتل.
4 قلت: ذكر المؤلف- رحمه الله- في زاد المسير7/195 ومختصر عمدة الراسخ
المخطوط ورقة (12) أن هذه الآية منسوخة، ورأيناه هنا يذكر دعوى النسخ
ويسرد الآثار الواردة عن السلف المؤيدة لذلك، ولو كانت معظمها وردت
بأسانيد ضعيفة ولكنها يعضد بعضها بعضاً، والنسخ هنا اختيار جمهور
العلماء وبه قال أصحاب أمهات كتب النسخ. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس
ص: 231؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 368-369؛ ومعرفة الناسخ
والمنسوخ لابن حزم ص: 373-374.
(2/599)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ من سورة الحشر
قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ
الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} 1.
اختلف العلماء في المراد بهذا الفيء على قولين:
أحدهما: أنه الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكفار عنوة وكانت
في بدء الإسلام للذين سماهم الله ها هنا دون (الغالبين)2 الموجفين
عليها ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} 3 الآية - هذا قول قتادة ويزيد بن رومان4 في
آخرين.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا بن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا عبد الصمد عن همام عن قتادة {مَا أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} 5 الآية، قال:
__________
1 الآية السابعة من سورة الحشر.
2 في (م): و(هـ): العالمين، وهو تحريف عما أثبت.
3 الآية (41) من سورة الأنفال.
4 يزيد بن رومان المدني، مولى آل الزبير، ثقة من الخامسة، مات
سنة:130هـ، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. انظر: التقريب (382).
5 الآية السابعة من سورة الحشر.
(2/600)
كان الفيء
بين هؤلاء فنسختها الآية التي في الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} 1.
قال أحمد: وبنا معاوية بن عمرو، قال: أبنا أبو إسحاق عن شريك عن جابر،
عن مجاهد وعكرمة، قالا: نسخت سورة الأنفال سورة الحشر2.
قال أحمد: وبنا وكيع، قال: بنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد، وعكرمة قالا:
كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ
مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}.
والثاني: أن هذا الفيء ما أخذ من أموال المشاركين مما لم (يوجف)3 عليه
بخيل ولا ركاب، كالصلح والجزية والعشور ومال من مات منهم في دار
الإسلام ولا وارث له، فهذا كان يقسم في زمان رسول الله صلى الله عليه
وسلم خمسة أخماس فأربعة لرسول الله يفعل بها ما يشاء والخمس الباقي
للمذكورين في هذه الآية.
واختلف العلماء فيها (يصنع)4 بسهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد
وفاته، فقال قوم: هو للخليفة بعده، وقال قوم: يصرف في المصالح. فعلى
هذا
__________
1 الآية (41) من سورة الأنفال. أخرج هذا الأثر بنحوه الطبري في جامع
البيان 28/25 عن سعيد عن قتادة.
2 رواه الطبري عن مجاهد وعكرمة والسدي، ثم رد الطبري على هذا القول
مستدلاً بالآثار المعارضة لدعوى النسخ. انظر: جامع البيان 9/118.
3 في (هـ): هنا كلمة (يجف) زيادة ولعلها من الناسخ.
4 في (هـ): هنا كلمة (يجمع) زيادة، ولعلها من الناسخ.
(2/601)
تكون هذه
الآية مبينة لحكم الفيء والتي في الأنفال مبينة لحكم الغنيمة فلا يتوجه
نسخ.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا علي بن الحسين بن أيوب قال: أبنا ابن
شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال:
أبنا أحمد بن محمد، قال: سمعت علي بن الحسين، يقول: روى لنا الثقة أن
عمر بن عبد العزيز، قال: دخلت آية الفيء في آية الغنائم، قال أحمد (بن
شبويه)1 هذا أشبه من قول قتادة، وسورة الحشر نزلت بعد الأنفال بسنة
فمحال أن ينسخ ما قبل ما بعد.
قال أبو داود: وبنا (خشيش)2 بن أصرم، قال: بنا يحيى بن حسان، قال: بنا
محمد بن راشد، قال: بنا ليث بن أبي رقية، قال: كتب عمر بن عبد العزيز
إلى أمراء الأجناد، أن سبيل الخمس سبيل الفيء.
__________
1 غير واضحة من النسختين، والصواب ما سجلت عن كتب التراجم.
وهو: أحمد بن شبوية المروزي، روى عن وكيع وعبد الرزاق، مات بطرسوس سنة:
230هـ. انظر: الجرح والتعديل 2/55.
2 غير واضحة في (هـ) وفي (م): خبشيش والصواب ما أثبت عن كتب التراجم.
وهو: خشيش بمعجمات مصغر ابن أصرم بن الأسود النسائي ثقة حافظ من
الحادية عشرة مات سنة 253هـ. التقريب (92).
قلت: أثبت المؤلف في زاد المسير 8/210، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة
(13) إحكام هذه الآية هو اختيار الطبري في جامع البيان28/25، والنحاس
في ناسخه ص: 232-233 وابن العربي في أحكام القرآن4/1773، ومكي بن أبي
طالب في الإيضاح ص:370-371.
(2/602)
باب: ذكر
ما ادعي عليهن النسخ من سورة الممتحنة
ذكر الآية الأولى والثانية: قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية1 وقوله: {إِنَّمَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية2
.
زعم قوم أن هذا عام في جميع الكفار، وأنه منسوخ بآية السيف.
أخبرنا بن ناصر، قال: بنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان قال: أبنا أبو
بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود، قال: بنا محمد بن عبيد، قال: بنا
محمّد ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} قال نسختها: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3 وقال غيره: معنى الآيتين
منسوخ بآية السيف4.
قال أبو جعفر ابن جرير الطبري لا وجه لادعاء النسخ، لأن بر المؤمنين
للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة5 غير محرم إذا لم يكن في ذلك
تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح أو دلالة لهم على عورة
__________
1 الآية (8) من سورة الممتحنة.
2 الآية (9) من السورة نفسها.
3 الآية (5) من التوبة، وقد ذكر قول النسخ الطبري في جامع البيان28/43،
بإسناده عن قتادة كما ذكره النحاس عنه في ناسخه ص: 235.
4 ذكر هبة الله في ناسخه ص: 91 عن الآية الأولى منسوخة بالتي تليها، ثم
قال: "ونسخ معنى الآيتين بآية السيف، وذكر ابن هلال في ناسخه ص: 33
نحوه".
5 في (هـ): كلمة (أو) زيادة، ولعلها من الناسخ.
(2/603)
أهل
الإسلام. ويدل على ذلك - حديث أسماء1 بنت أبي بكر رضي الله عنها "لما
قدمت عليها أمها قتيلة بنت عبد العزى المدينة بهدايا فلم (تقبل)2
هداياها ولم تدخلها منزلها، فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فنزلت هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها
منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها"3.
ذكر الآية الثالثة والرابعة: قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} الآية4 وقوله: {وَإِنْ
فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ}
الآية5. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صالح مشركي مكة عام
الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى أهل مكة من
أصحابه فهو لهم وكتبوا بذلك
__________
1 أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما زوج الزبير بن العوام رضي
الله عنه، هي من كبار الصحابة، عاشت مائة سنة وماتت سنة ثلاث أو أربع
وتسعين. انظر: تقريب التهذيب (465).
2 في (هـ): يقتل، وهو تصحيف.
3 تجد ما ذكره الطبري في جامع البيان28/43، كما تجد قصة أسماء رضي الله
عنها مذكورة في الصفحة نفسها قبيل هذا الكلام، عن عبد الله بن الزبير،
ورواها، الحاكم في المستدرك2/485، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه. ورواه أيضاً الواحدي عن عبد الله بن الزبير في أسباب
النزول (284).
قلت: ذكر المؤلف في زاد المسير نفس هذه المناقشة وكلام الطبري كما رجح
إحكام الآية في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) أيضاً، وهو اختيار النحاس
في الناسخ والمنسوخ ص: 235-236، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص:
272-273.
4 الآية العاشرة من سورة الممتحنة.
5 الآية الحادية عشرة من سورة الممتحنة.
(2/604)
الكتاب
فجاءت امرأة بعد الفراغ من الكتاب، وفي تلك المرأة ثلاثة أقوال: أحدها:
أم كلثوم بنت عقبة1.
والثاني: سبيعة بنت الحارث2.
والثالث: أميمة3 بنت بشر فنزلت: {فَامْتَحِنُوهُنَّ} وفيما كان يمتحنهن
به ثلاثة أقوال:
أحدها: الإقرار بالإسلام4.
والثاني: الاستحلاف لهن: ما خرجن من بغض زوج ولا رغبة عن أرض ولا
التماس دنياً وما خرجن إلا حباً لله ولرسوله5.
والثالث:الشروط المذكورة في قوله :{إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ
يُبَايِعْنَكَ} 6 فإذا أقررن بذلك لم يردهن إليهم7. واختلف العلماء، هل
دخل رد النساء إليهم في عقد الهدنة لفظاً أو عموماً؟
__________
1 قاله الإمام الشافعي في أحكام القرآن1/185 عن أهل العلم بالقراءات
وذكره محمد بن سعد في الطبقات الكبرى8/230 بدون سند، كما ذكره المؤلف
في زاد المسير 8/238 عنه، ثم قال: وهو المشهور.
2 ذكره الواحدي في أسباب النزول (284) عن ابن عباس بدون إسناد، وذكره
المؤلف عنه في المصدر السابق.
3 نقل هذا القول المؤلف في المصدر نفسه عن أبي نعيم الأصفهاني.
4 ذكره الطبري في جامع البيان28/44 بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله
عنهما.
5 أخرج نحوه الطبري بإسناده من طريق أبي نصر عن ابن عباس (ولم يعرف
سماعه من ابن عباس كما قال البخاري). انظر جامع البيان المصدر السابق،
وتهذب التهذيب12/255.
6 الآية العاشرة نم سورة الممتحنة.
7 روى هذا المعنى الإمام الترمذي في جامعه2/164 وقال هذا حديث حسن
صحيح، كما رواه الطبري في جامع البيان28/44 كلاهما عن عائشة رضي الله
عنها.
(2/605)
فقالت
طائفة: قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة بلفظ صريح فنسخ الله تعالى ردهن
من العقد وأبقاه في الرجال1.
وقال طائفةلم يشرطه صريحاً بل كان ظاهر العموم اشتمال العقد عليهن مع
الرجال فبين الله عزوجل خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال،
لأمرين:
أحدهما: أنهن ذوات فروج تحرمن عليهم.
والثاني: أنهن أرق قلوباً وأسرع تقلباً.
فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم، وقال القاضي أبو يعلي: "إنما لم
يرد النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكن من الفعل، وإن لم يقع
الفعل2. فأما قوله: {وَآتُوهُمْ} يعني: أزواجهن الكفار، {مَا
أَنْفَقُوا} يعني: المهر، وهذا إذا تزوجها مسلم، فإن لم يتزوجها أحد،
فليس لزوجها الكافر شيء، والأجور: المهور {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ
الْكَوَافِرِ} 3
وقد زعم بعضهم: أنه منسوخ بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ} 4 وليس هذا بشيء، لأن المراد بالكوافر (الوثنيات)
ثم لو
__________
1 قاله النحاس عن جماعة من العلماء في الناسخ والمنسوخ (237) ومكي بن
أبي طالب في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (374)، والقرطبي في تفسيره
18/63، ثم قالوا وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وذكره المؤلف في
مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) ثم قال: وقد نص أحمد على هذا.
2 أورد المؤلف هذه الآراء بنصها في زاد المسير8/240 ولم ينسبها إلى
أحد.
3 الآية العاشرة من سورة الممتحنة.
4 الآية الخامسة من سورة المائدة، ذكر دعوى النسخ هنا النحاس في الناسخ
والمنسوخ (248) عن قوم وذكر الإحكام عن قوم ولم يرجح، فأما المكي بن
أبي طالب في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخة (375) والمؤلف في
تفسيره7/243، ذكرا النسخ ثم ردا هذا القول، وقالا:
وهذا تخصيص لا نسخ، عام في كل كافر، مخصص بإباحة إمساك الكتابيات
زوجات، فالآية في الكوافر غير الكتابيات".
(2/606)
قلنا إنها
عامة كانت إباحة الكتابيات تخصيصاً لها لا نسخاً كما بينا في قوله:
{وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات} 1 وقوله: {وَاسْأَلُوا مَا
أَنْفَقْتُمْ} أي: إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة
فسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم (يدفعوها)2 إليكم {وَلْيَسْأَلوا}
يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم، من
تزوجهن ما أنفقوا وهوالمهر، والمعنى: عليكم أن تغرموا لهم الصدقات كما
يغرمون لكم: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى
الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} 3 أي: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى
غنمتم4 {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا
أَنْفَقُوا} أي: أعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر5.
__________
1 انظر مناقشة الآية (221) من سورة البقرة فيما سبق.
2 في (هـ): (لم يدفعونها) وهو خطأ من الناسخ.
3 الآية الحادية عشرة من سورة الممتحنة.
4 قال مكي بن أبي طالب في تفسير الآية: {فَعَاقَبْتُمْ} أي: (أصبتم
عقبي، بمعنى غنيمة أوفى، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) وقد
نسب ابن كثير هذا التفسير إلى مسروق وإبراهيم وقتادة وغيرهم. وقال أبو
السعود: {فَعَاقَبْتُمْ} أي: فجاءت عقبتكم أي: نوبتكم من أداء المهر
شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك،
وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في
الركوب وغيره. انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (377)؛ وتفسير
القرآن العظيم (322)؛ وتفسير أبو السعود5/8.
5 تجد ما فسره المؤلف هنا في زاد المسير7/243، وعزا تفسير
{فَعَاقَبْتُمْ} إلى الزجاج.
(2/607)
أخبرنا
إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن شاذان،
قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي،
قال: أبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة، قال: كن إذا فررن من المشركين
الذين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، إلى أصحاب نبي
الله فتزوجوهن، بعثوا بصداقهن إلى أزواجهن من المشركين الذين بينهم
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإذا فررن من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى كفار ليس بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه
وسلم عهد، فتزوجوهن فأصاب المسلمون غنيمة أعطى زوجها من جميع الغنيمة
ثم اقتسموا بعد ذلك، ثم نسخ هذا الحكم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وأمر
بقتال المشركين كافة1.
قال أحمد: وبنا أسود بن عامر، قال: بنا إسرائيل عن المغيرة عن إبراهيم
في قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا}
2 قال: هؤلاء قوم كان بينهم وبين المسلمين صلح (فإذا خرجت امرأة من
المسلمين إليهم أعطوا زوجها ما أنفق، وإذا خرجت امرأة من المشركين إلى
المسلمين أعطوا زوجها ما أنفق) قال القاضي أبو يعلى: وهذه الأحكام من
أداء
__________
1 أخرج نحره الطبري في جامع البيان28/49 عن قتادة، كما ذكره السيوطي
مطولاً في الدر المنثور6/206-207، وقال: أخرجه عبد بن حميد وأبو داود
في ناسخه وابن المنذر عن قتادة، وذكر دعوى النسخ عن قتادة النحاس ومكي
بن أبي طالب. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 249؛ والإيضاح ص: 378.
2 الآية الحادية عشرة من سورة الممتحنة.
(2/608)
المهر
وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق، قد وجب رده على
أهل الحرب منسوخة عند جماعة من أهل العلم، وقد نص أحمد بن حنبل على هذا
وكذلك قال مقاتل بن سليمان: "كل هؤلاء الآيات نسختها آية السيف"1.
__________
1 ذكر المؤلف عن هؤلاء دعوى النسخ هنا، في زاد المسير8/244 وقال في
مختصر عمدة الراسخ ورقة (13): "اعلم: أن الأحكام المذكورة في الآية من
أداء المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق، قد
وجب رده على أهل الحرب منسوخ، وقد نص أحمد على هذا. قال مقاتل: كل هذه
الآيات نسخت بآية السيف" انتهى.
قلت: فكأنه يميل إلى مذهب إمامه، وأما الإمام الطبري فلم يشر إلى النسخ
بل فسر الآية بما يوحي إحكامها ويقول مكي بن أبي طالب: "قيل: هي محكمة،
وإذا تباعدت الدار واحتيج إلى المحنة كان ذلك إلى الإمام". انظر: جامع
البيان28/50؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (377).
(2/609)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة التغابن
قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا
يعقوب بن سفيان، قال: بنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن
صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِنْ تَعْفُوا
وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا} ونحو هذا من القرآن مما أمر الله به
المؤمنين بالعفو عن المشركين فإنه نسخ ذلك قوله: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
قلت: قد روينا عن جماعة من المفسرين منهم ابن عباس رضي الله عنهما أن
سبب نزول هذه الآية أن الرجل كان إذا أراد أن يهاجر من
__________
1 الآية (14) من سورة التغابن.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
أمّا قول ابن عباس فقد سبق تخريجه في سورة المائدة آية: 13 عن ابن عباس
رضي الله عنهما عند الطبري ومكي بن أبي طالب.
(2/610)
مكة إلى
المدينة (منعته)1 زوجته وولده2 وعلى هذا يمكن أن يكونوا قد آمنوا معه
ولكنهم يمنعونه حباً لإقامته3 فلا يتوجه نسخ4.
__________
1 في (م):نعته، وفي (هـ): غير واضحة، والصواب ما سجلت عن تفسيره8/284.
2 قال المؤلف في تفسيره {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ
عَدُوّاً لَكُمْ} سبب نزولها: أن الرجل كان يسلم فإذا أراد الهجرة منعه
أهله وولده، وقالوا ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتسير إلى
المدينة بلا أهل ولا مال، فمنهم من يرق لهم ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه
الآية فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا
أهلهم الذين منعوهم فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا}
إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس)، انتهى من زاد المسير.
وقد ذكر نحوه الواحدي في أسباب النزول عن عكرمة عن ابن عباس بدون
إسناد(288) كما أخرجه الترمذي في جامعه وقال هذا حديث حسن صحيح، ورواه
الحاكم في المستدرك. وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه الطبري
في جامع البيان 28/80، عن ابن عباس.
3 قال المؤلف في المصدر السابق عن مجاهد: (كان حب الرجل ولده وزوجته
يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه).
4 ذكر المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (13) نحو ما ذكره هنا، ولم
يتعرض لقول النسخ في زاد المسير أصلاً.
(2/611)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة ن
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا
الْحَدِيثِ} 1.
زعم بعض المفسرين أنها منسوخة بآية السيف، وإذا قلنا إنه وعيد وتهديد
فلا نسخ2.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} 3 قال
بعضهم معنى الصبر منسوخ بآية السيف4 وقد تكلمنا على نظائر هذا فيما
سبق5.
__________
1 الآية (44) من سورة القلم.
2 قلت: رد المؤلف دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ، المصدر السابق بمثل
مارد به هنا، ونسبها في تفسيره8/342 إلى بعض المفسرين.
3 الآية (48) من سورة القلم.
4 ذكر قول النسخ في هذه والتي قبلها هبة الله بن سلامة في الناسخ
والمنسوخ ص: 94.
5 انظر مثلاً مما سبق الآيات (77) من سورة المؤمن، (35) من الأحقاف،
والآية (39) من (ق)، ذكر المؤلف قول النسخ هنا في تفسيره 8/342 عن
البعض ورده في مختصر عمدة الراسخ ورقة (14).
(2/612)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة سأل سائل
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} 1 قال
المفسرون صبراً لا جزع فيه، وزعم قوم منهم ابن زيد أن هذا كان قبل
الأمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف2 وقد تكلمنا على نظائر هذا3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} 4، زعم بعض المفسرين
أنها منسوخة بآية السيف، وإذا قلنا إنه وعيد بلقاء القيامة فلا وجه
للنسخ5.
__________
1 الآية الخامسة من سورة المعارج.
2 ذكر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص:251، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح
لناسخ القرآن ومنسوخه (381) دعوى النسخ هنا عن ابن زيد، ثم نقلا رد بعض
العلماء على هذا القول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل صابراً
عليهم رفيقاً بهم.
3 انظر مناقشة الآيات التي أشرت إليها آنفاً في سورة القلم.
4 الآية (42) من سورة المعارج.
5 ذكر هذه الآية والتي قبلها المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (14)
فحولنا إلى أشباهها فيما سبق مما أثبت فيه إحكام الآية، وذكر في هذه
الآية في زاد المسير 8/366: (وهذا لفظ أمر معناه الوعيد فلا وجه للنسخ)
ولم يتعرض لهذه الآية النحاس ومكي بن أبي طالب أصلاً.
(2/613)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة المزمل
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً،
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} 1. قال المفسرون، المعنى: أنقص
من النصف قليلاً أو زد على النصف فجعل له سعة في مدة قيامه، إذ لم تكن
محدودة فكان (يقوم)2 ومعه طائفة من المؤمنين فشق ذلك عليه وعليهم، وكان
يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، فنسخ الله ذلك عنه
وعنهم بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ
ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} 3 هذا مذهب جماعة من المفسرين.
وقالوا ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة4 وذهب قوم
إلى أنه نسخ5 قيام الليل في حقه بقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَكَ} 6 ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس7 وقيل: نسخ
عن الأمة وبقي فرضه عليه أبداً، وقيل إنما كان مفروضاً عليه دونهم.
__________
1 الآيتان الثانية والثالثة من سورة المزمل.
2 في (هـ): يقول، وهو تحريف.
3 الآية (20) من السورة نفسها.
4 ذكر ذلك هبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: 92.
5 هذه العبارة مكررة في (هـ).
6 الآية (79) من سورة الإسراء.
7 قال الإمام الشافعي رحمه الله في رسالته1/116، بعد عرض هاتين
الآيتين: "فكان يقيناً في كتاب الله نسخ قيام الليل، ونصفه والنقصان في
النصف والزيادات عليه بقوله: { فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ} ،
فاحتمل هذا القول على معنيين:
أحدهما: أن يكون فرضاً ثابتاً لأنه أزيل به فرض غيره.
والآخر: أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره، كما أزيل به غيره وذلك لقول
الله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} الإسراء (79) فاحتمل قوله:
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} أن يتهجد بغير
الذي فرض عليه مما تيسر منه. قال: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة
على أحد المعنيين فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن
لا واجب من الصلاة إلا الخمس، فصرنا إلى أن الواجب الخمس وأن ما سواها
من واجب من صلاة قبلها منسوخ بها استدلالاً بقول الله: {فَتَهَجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَكَ} وأنها ناسخة لقيام الليل ونصفه وثلثه وما تيسر:
انتهى.
(2/614)
أخبرنا
ابن ناصر، قال: أبنا علي بن أيوب1 قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو
بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود، قال بنا أحمد بن محمد، قال: بنا علي
بن الحسين، عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس {قُمِ
اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً} نسختها {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
أبو إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباسي، قال: أبنا
أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا زيد بن أخرم، قال: بنا بشر بن عمر، قال:
بنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي المتوكل، عن جابر بن عبد الله،
قال: كتب علينا قيام الليل فقمنا حتى انتفخت أقدامنا وكنا في مغزى لنا
فأنزل الله الرخصة {أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} إلى آخر السورة.
__________
1 في (هـ) (أبو) وهو تحريف من الناسخ.
2 الآية (20) من سورة المزمل، والحديث أخرج نحوه النحاس وابن العربي عن
ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكر الطبري نحوه عن عكرمة والحسن. انظر:
الناسخ والمنسوخ ص: 252؛ وأحكام القرآن4/1881؛ وجامع البيان29/79.
(2/615)
قال أبو
بكر: وبنا عبد الله بن محمد بن خلاد، قال: بنا يزيد، قال: بنا مبارك عن
الحسن، قال: لما نزلت: {يا أيها المزمل قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} كان قيام
الليل فريضة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة قال الحسن: أما
والله ما كلهم قام بها فخفف الله فأنزل آخر السورة {عَلِمَ أَنْ
سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} ، إلى آخر الآية.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان الله افترض قيام
الليل في أول سورة المزمل، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً ثم
أنزل الله آية فيها يسر وتخفيف فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة"1.
قال قتادة: "نسختها {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
الآية"2.
قال أحمد: وبنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي
الله عنهما {يا أيها المزمل قُمِ اللَّيْلَ} قال: فلما قدم المدينة
نسختها هذه الآية {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى
مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} الآية3.
__________
1 روى نحوه مسلم والنسائي والنحاس، من طريق سعد بن هشام عن عائشة رضي
الله تعالى عنها. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي في كتاب الصلاة في باب
صلاة الليل6/25-27؛ والنسائي3/126؛ والنحاس ص: 252.
2 روى الطبري نحوه عن قتادة29/79، من جامع البيان.
3 ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: 252 بإسناده عن ابن عباس رضي الله
عنهما من طريق عطاء الخراساني.
(2/616)
قال أحمد:
وبنا عبد الصمد عن همام عن قتادة، قال: فرض قيام الليل في أول سورة
المزمل، فقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم،
وأمسك الله خاتمتها في السماء حولاً ثم أنزل الله التخفيف في آخرها،
فقال: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} فنسخ ما كان قبلها1.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} 2.
قال المفسرون: واصبر على ما يقولون من تكذيبهم إياك وأذاهم لك
{وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} لا جزع فيه3 وهذه منسوخة عندهم بآية
السيف، وهو مذهب قتادة4 وعلى ما بينا من تفسيرها يمكن أن تكون محكمة5.
__________
1 ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/285 وقال: أخرجه عبد بن حميد عن
قتادة.
قلت: قضية النسخ هنا مسلم لدى الجمهور، وأما الخلاف بماذا نسخ؟ فقال
الشافعي، نسخ في حق الرسول بآية الإسراء، وفي حق المؤمنين بالصلوات
الخمس، كما سبق، وقال قوم: نسخ عن الجميع بآخر سورة المزمل، وهو قول
ابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وقتادة، والحسن وجماعة من المفسرين
وقيل نسخ عن الأمة وبقي عليه فرضه أبداً، وقيل إنما كان مفروضاً عليه
دونهم، واختلفوا في مدة فرضه، على قولين:
أحدهما: سنة، قاله ابن عباس وكان بين أول المزمل وآخرها سنة.
والثاني: ستة عشر شهراً، وهو ما نقله المؤلف عن الماوردي. انظر: الناسخ
والمنسوخ للنحاس ص: 251-252؛ والإيضاح ص: 382-383؛ وزاد
المسير8/388-389.
2 الآية (10) من سورة المزمل.
3 فسر بذلك الطبري بجامع البيان29/84.
4 أخرجه الطبري في المصدر نفسه، والنحاس في المصدر السابق بإسنادهما عن
قتادة.
5 ذكر المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (14) احتمال الإحكام المذكور
هنا. وانظر إن شئت الآية (176) من آل عمران، و(109) من سورة يونس، حيث
أثبت المؤلف إحكام الآية هناك فيما فيه معنى الصبر.
(2/617)
ذكر الآية
الثالثة: قوله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} 1.
زعم بعض المفسرين أنها منسوخة بآية السيف2، وليس بصحيح، لأن قوله
{ذَرْنِي} وعيد، وأمره بإمهالهم ليس على الإطلاق، بل أمره بإمهالهم إلى
حين يؤمر بقتالهم فذهب زمان الإمهال فأين وجه النسخ؟3.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ
سَبِيلاً} 4.
زعم بعض من لا فهم له أنها نسخت بقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ} 5 وليس هذا بكلام من يدري ما يقول، لأن الآية الأولى
أثبتت للإنسان مشيئته، والآية الثانية أثبتت أنه لا يشاء حتى يشاء الله
وكيف يتصور النسخ؟6.
__________
1 الآية (11) من سورة المزمل.
2 ذكره ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ ص: 383.
3 أنكر المؤلف دعوى النسخ هنا بقوله: (وليس بصحيح) في زاد المسير8/393،
وأعرض عن ذكرها النحاس ومكي بن أبي طالب، وهبة الله في نواسخهم.
4 الآية (19) من سورة المزمل.
5 الآية (30) من سورة الدهر، ذكر قول النسخ هنا ابن حزم في المصدر
السابق، وابن سلامة في ناسخه ص: 96.
6 قلت: أعرض المؤلف دعوى النسخ هنا في تفسيره وفي مختصر عمدة الراسخ
كما أعرض أصحاب أمهات كتب النسخ عن ذكرها.
(2/618)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة المدثر
قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} 1.
هذه نزلت في الوليد بن المغيرة2. والمعنى: خل بيني وبينه فإني أتولى
هلاكه. وقد زعم بعضهم أنها نسخت بآية السيف3. وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه إذا ثبت أنه وعيد فلا وجه للنسخ، وقد تكلمنا على نظائرها
فيما سبق.
والثاني: أن هذه السورة مكية وآية السيف مدنية، والوليد هلك بمكة قبل
نزول آية السيف4.
__________
1 الآية (11) من سورة المدثر.
2 ذكره الواحدي في أسباب النزول (295) بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
3 ذكره هبة الله في ناسخه ص: 97.
4 قال المؤلف في مختصر عمدة الراسخ (14) عن هذه الآية: (لا نسخ) ولم
يتعرض لها أمهات كتب النسخ.
(2/619)
باب: ذكر
ما ادعي عليه النسخ في سورة هل أتى
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى
حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} 1.
زعم بعضهم أن هذه تضمنت المدح على إطعام الأسير المشرك، قال: وهذا
منسوخ بآية السيف2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي،
قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: أبنا
يعقوب بن سفيان، قال: بنا يحيى بن بكير، قال: حدثني ابن لهيعة عن عطاء
عن سعيد بن جبير: {وَأَسِيراً} قال: يعني من المشركين، نسخ السيف
الأسير من المشركين3.
قلت: وإنما أشار بهذا إلى أن الأسير يقتل ولا يفادي فأما إطعامه ففيه
ثواب بالإجماع لقول عزوجل (في كل كبد (حرى) أجر)4
__________
1 الآية الثامنة من سورة الدهر
2 ذكره هبة الله في المصدر السابق.
3 روى الطبري في جامع البيان 29/130، وذكر السيوطي في الدر المنثور،
معزياً إلى بن أبي شيبة، عن سعد بن جبير (وأسيراً) أنه من أهل القبلة
وغيرهم.
4 في (م): أحرى أجر، وهو تحريف من الناسخ.
وقد روى هذا الحديث البخاري في المساقاة، وكتاب الأدب كما رواه أبو
داود في باب الجهاد وابن ماجه في باب الأدب. انظر: صحيح البخاري مع
الفتح13/45.
(2/620)
والآية
محمولة على التطوع بالإطعام فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار1.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} 2.
زعم بعضهم أنها منسوخة بآية السيف، وقد تكلمنا على نظائرها، وبينا عدم
النسخ3.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ
سَبِيلاً} 4. قال بعضهم، نسخت بقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ} 5 وقال: وكذلك قوله، في:
__________
1 قلت: لم يذكر المؤلف هذه الآية في مختصر عمدة الراسخ، وقد ذكر في زاد
المسير دعوى النسخ عن بعض المفسرين ثم رده بمثل مارد به هنا، وأما
النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يعتبرا هذه الآية من المنسوخة أصلاً.
2 الآية (24) من سورة الدهر.
3 انظر مثلاً مناقشة الآيات (109) من سورة يونس و(9) من سورة المزمل.
4 الآية (29) من سورة الدهر.
5 الآية (30) من السورة نفسها، ذكر هذا القول هبة الله في ناسخه (98).
(2/621)
|